وعندما جاءت قوة البخار ـ كان أول قادم بعدها هو القطار، وكان بناء السكك الحديدية في أمريكا. ويكتب"جاك بيتي"محرر كتاب"العملاق"أن مد خطوط السكك الحديدية كان هو"قاهر المسافات وموحد الأرجاء"على اتّساع قارة بأكملها.
كانت أمريكا منذ البداية كنزًا هائلًا ـ لكن حجمه كان مشكلة لأن النفاذ إلى عمقه كان يمشي بسرعة الحيوان، ومداه الأسرع هو سعة رئة الحصان ـ فلما جاء القطار البخاري على البر ومعه السفينة البخارية في النهر والبحيرة واستسلمت القارة بأكملها للاستغلال والاستثمار، للإنتاج وللتوزيع، وعندما لحق برق التلغراف بطاقة البخار تحولت القارة إلى شبكة اقتصادية ومالية واحدة مع حجم لم يعرف له في العالم مثيل، وذلك طبيعي لأنه لم يحدث من قبل أن انفتحت قارة كاملة بكل مواردها وكل طاقاتها على هذا النحو. وشاعت في تلك الأيام مقولة أن"صوت قطار السكة الحديد هو نبض القارة الأمريكية ـ يدق"!
وكان الفضاء الأمريكي أكبر مشجع ومناد لقوة البخار ـ وكان أن الميكنة بتفاعلها مع هذا الفضاء الأمريكي تمارس صنع معجزة في الإنتاج تجاوزت كل التوقعات.
ثم كانت الحرب الأهلية الأمريكية هي القبضة التي كسرت آخر الحواجز على أرض القارة، لأن الحرب الأهلية عبّأت قوى، وحلقت صناعات ضرورية مدنية وعسكرية، وضمنها ثورة في صناعة النسيج حتى يلبس الجنود في الصيف وفي الشتاء، وكانت الإضافة الأكبر في صناعة النسيج أن الأطفال أصبحوا عمالها ـ لأن الرجال كانوا في الحرب، والنساء في المزارع ـ خصوصًا مزارع القطن.
وحين سقطت آخر الحواجز في القارة بين الشمال"الصناعي"والجنوب"الزراعي"ـ وعاد الرجال من ميادين القتال ـ كانت الرأسمالية الأمريكية جاهزة لأداء دورها في سوق اتسع بما فاق الخيال، وساعدته ثروات راكمتها فرصة التجارة أثناء انشغال أوروبا بصراعاتها ـ وفرصة الصناعة التي اقتضتها ضغوط الحرب الأهلية ـ وفرصة الضرورات التي قضت أن يعمل كل السكان ـ حتى الأطفال.
* مشهد: