ويبدو أنه في تلك الفترة ظهرت وانتشرت أدبيات واسعة تعارض تحرير العبيد أو تقييد"التجارة في الأرواح". وكانت الحجج الأكثر ترددًا وتكرارًا:
"ـ إن استعمال البخار ليس له أن ينهى دور العبيد في الانتاج، فهذه وسيلة، وتلك وسيلة وكلتا الوسيلتين تؤدى دورًا يتكامل ـ ولا يتعارض ـ مع الأخرى."
ـ وإذا أوقف التجار الأمريكيون تجارتهم في العبيد فإن غيرهم من جنسيات أخرى سوف يحصلون على الفائدة، والأرباح.
ـ والقيود على تجارة العبيد سوف تكون وبالًا على هذه"الأرواح"التي لا تعرف ماذا تفعل أو كيف تعيش إذا رفع"السيد"يده عن"التجارة"فيها.
ـ إن السلطات لا يصح لها أن تتدخل في حرية التجارة بأي شكل من الأشكال، لأن ذلك يتعارض مع الفكرة الرئيسية التي قامت عليها أمريكا، وهي الحرية ـ حتى من القانون"وضمن حجج المنطق أنه لا يصح لأحد أن ينسى أن ضيق أفق القانون كان مشكلة المشاكل في العالم القديم".
* مشهد:
وبرغم وصية"واشنطن"لأمريكا أن تبتعد عن أوروبا ـ فإن أمريكا مع مطلع القرن التاسع عشر اقتربت لكي تكون أكبر مستفيد من مصائب أوروبا. وكانت تلك فترة الثورات الكبرى، وزمن حروب"نابليون"الطاحنة، ومسرح عمليات المطاردة البحرية والحصار حول القارة الأوروبية، لكن السفن الأمريكية شراعية ـ وبخارية فيما بعد ـ كانت لها ميزة"الحياد"، فهي بعيدة لا تطولها المعارك ولا إجراءات الحصار، والسفن التي تحمل الأعلام الأمريكية لا شأن لها بصراعات أوروبا التي كانت لدولها وشركاتها وأفرادها استثمارات واسعة في العالم الجديد تحرص عليها وتحاول إخراجها من دائرة النزاع والخطر. وفي هذه الحقبة من الاضطراب في أوروبا تمكنت التجارة الأمريكية من السيطرة على الملاحة في المحيط الأطلسي، وبنت لنفسها فوق الموج سعة سفن تزيد عما تملكه بريطانيا أو فرنسا، وكان ذلك خروجًا كثيفًا إلى اعالي البحار ـ زادت معدلاته بعد شق قناة"بنما"لأن السفن الأمريكية أصبحت قادرة على الانتشار في المحيط الهادئ نفس قدرتها في المحيط الأطلسي.
وبذلك فإن المحيطات الحامية لأمريكا لم تعد مساحات شاسعة فقط، وإنما أصبحت أيضًا مناطق مأهولة ـ أمريكيًا ـ لأن أساطيل أوروبا بقيت قريبة من شواطئها تمارس الحصار أو محصورة هي نفسها ـ بينما أصبح العلم الأمريكي في الأطلسي علم الملاءمة، تتحرك تحته البضائع بحرية، وتتوقاه أعمال المصادرة، لأن الكل يستفيد منه أو يحاول أن يستفيد!
* مشهد: