وتوافق وصول الكتاب إليّ مع لحظة تزايد فيها إحساسي بأن هذا البلد يحتاج ألى من يغوص فيه عمقًا ليبحث عن البذور والجذور، وينظر في التركيب النفسي لهذه القوة الجديدة التي نمت تحت سمع الدنيا وبصرها، ولم تكن مثل غيرها من القوى التي نشأت في أعماق الماضي، وقرونه الغابرة التي تباعد عنها الزمن، بحيث شحبت الوقائع وخفتت الأصوات.
وكانت الإمبراطورية الأمريكية ظاهرة مختلفة ـ فقد نشأت تحت سمع وبصر عالم دخل عصر النهضة بكل وسائله وأدواته المعرفية، وتحت متابعة ورقابة القوى الإمبراطورية التي تحكمت اقتصاديًا وسياسيًا من معقلها الأوروبي ـ في قارات العالم القديم، وخصوصًا آسيا وافريقيا ـ ومع ذلك فإن المسعى الإمبراطوري الأمريكي استطاع أن يغافل الجميع ويسبق، ويأخذ من الإمبراطوريات القديمة ما عندها ويضيف عليه، ويتملك ويحتكر في سنوات. وبينما كانت الإمبراطوريات القديمة ما زالت تتوهم أن مقادير العالم في يدها ـ إذا أمريكا فجأة وفي أقل من نصف قرن"وتلك طرفة عين في التاريخ"تزيح الجميع وتسيطر، حتى وإن جاءت سيطرتها قليلة الحكمة، ثقيلة اليد، لا تدرك أن الإمبراطورية فن، وأن القوة وحدها حماقة!
والشاهد أن الكتاب الذي تحدَّث عنه عنوانه يمكن ترجمته بـ"العملاق"، أو بـ"المارد"، أو بـ"الطود"، واي وصف غير ذلك يفيد معنى زيادة الحجم، مترافقة مع زيادة القوة، والعنوان هو Colossus ـ وقد صدر سنة 2001 في نيويورك، وهو في 506 صفحات على 38 فصلًا، وشارك في وضعه أكثر من ثلاثين مؤلفًا، قام بعضهم على كتابة أكثر من فصل فيه، وقصدُهم أن يكون نظرة بالعمق على نشأة الدولة والقوة الأمريكية. ومن جانبي فقد أحسست طوال قراءة الكتاب أنني أمام عملية تحليل نفسي دقيق ـ مضيء وكاشف للتجربة الأمريكية. واللافت للنظر في فصول الكتاب أن مؤلفيه على اختلاف مواضع اهتمامهم توافقوا فيما بينهم على أسلوب يستخدم التوثيق الاجتماعي الذي تكمن أهميته في خلوه من الأسرار والخبايا، وفي أنه يرجع إلى مصادر أتيحت لكل الناس، ولم يتوقفوا طويلًا عندها لأنها من مشاهد حياة كل يوم، وفي ذلك ينسى الكثيرون أن مشاهد حياة كل يوم هي المسودّة الأولى للتاريخ بأكثر من الأوراق المحفوظة في الخزائن تحت الأقفال والأختام!