فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 240

إنه إذا لم تكن للولايات المتحدة"نظرية أمن قومي"لغياب تهديد يمس الوطن حدودًا وعمقًا ـ كما هو شأن أوطان العالم ودوله ـ وإذا كانت للولايات المتحدة"نظرية مصالح قومية"فقط ـ فإن هذه مقدمة تترتب عليها نتيجة شديدة الأهمية، بعيدة الأثر، وتلك هي غياب"الوطنية"بالمعنى المتعارف عليه في أوطان أخرى وتواريخ مختلفة. ذلك أن حيوية الوطنية في بلد من البلدان في أي مكان وزمان هي نتيجة لتهديد مباشر يمس هويته أو أرضه أو استقلاله. أي أن التهديد أو احتمال التهديد هو الذي يخلق ردّه الفعل والمقاومة، وتلك شرارة الوطنية. وأما إذا كانت المشكلة طلب المصلحة، وليس رد التهديد ـ فإن المصلحة لها دواع وحوافز ومحرّكات من نوع مختلف لا يعرف الصمود إلى النفس الأخير ـ ولا الاستعداد للتضحية ـ ولا القبول بالشهادة.

وربما أن ذلك هو التفسير المقنع للحقائق الظاهرة ـ والمؤثرة ـ على السياسة الأمريكية، خلافًا لدول كبرى وإمبراطوريات سبقت في التاريخ.

ـ الشعور بالطمأنينة، والرغبة في متابعة صراعات الآخرين أو حتى إدارتها من بعد.

ـ الدخول في المعارك عندما تميل الموازين إلى الرجحان، ويفوت وقت التضحيات الكبرى، ويحين وقت تقسيم الغنائم الكبيرة.

ـ التردد في مواجهة الموت لأن الدفاع عن المصالح ـ خلافًا للدفاع عن الأوطان ـ لا يعرف الصمود والتضحية والقبول بالشهادة ـ لأنه إذا كانت المسألة مصالح فالكل يريد أن يعيش حتى تتحقق المصالح، وليس لديه استعداد دون حافز يسابق به إلى الموت ثم يفوز غيره بالجائزة.

[ولعل ذلك يفسر عقدة فيتنام حتى الآن في الولايات المتحدة. ومن المفارقات أنها الحرب الوحيدة الفكرية، أو المبدئية، أو العقائدية ـ التي دخلتها الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها وخسرتها ـ لأنها نوع من الحروب لا تعرفه أمريكا ولا تمارسه، وهي من الأصل لم تؤمن به لأن الظروف لم تلجئها إلى هذا الإيمان!

ثم إن ذلك أيضًا هو التفسير المعقول لكون شاب متهرب من خدمة العلم، وهو"بيل كلينتون"، أصبح رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية رغم أن تهربه من الخدمة كان معروفًا ومشهودًا!]

* المفتاح الثاني عشر:

إنه ذا كان ذلك كله صحيحًا ـ وهو كذلك في الغالب ـ إذن فإن"نظرية المصالح"لا بد أن تجد لها في ممارسة الصراعات وسائل أخرى لا تحتاج إلى الصمود ـ ولا تنتظر التضحية ـ ولا تلاقي الشهادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت