[وربما إنه يمكن فهم مشروع الدفاع الاستراتيجي بالصواريخ المضادة ـ وهو المشروع الذي تقوم الدنيا وتقعد الآن تصديًا له ـ فهمًا أعمق إذا جرى النظر إليه على أساس أنه استمرار الإستراتيجية"عازل"المحيطين"الأطلسي والهادئ"ـ وهو"العازل"الحامي للأمن الأمريكي. فمشروع الصواريخ المضادة للصواريخ يكفل إلا ينفذ في سماء المحيطين تهديد ـ صاروخي ـ يصل إلى الولايات المتحدة. وكان ذلك ـ من وجهة نظر السياسة الأمريكية ـ أفضل، لأنه يقفل الباب على سباق في الأسلحة النووية تبارت فيه دول كثيرة وفّرت لنفسها إمكانياته. ومن المنطقة إنه إذا استطاع طرف إلغاء سلاح طرف آخر فإنه يضمن النصر. وبما ان الولايات المتحدة سابقة ـ بتجربة النجوم أيام"ريجان"ـ فإن الصورايخ المضادة للصواريخ تكفل لها موقع القلعة المنيعة لا يصل اليها تهديد. هذا مع الأخذ في الحساب"وتلك نقطة جديرة بالاعتبار"أن الصواريخ المضادة للصواريخ كفيلة بإلغاء فاعلية كل الترسانات النووية التي تملكها ـ ولا تملك غيرها الآن ـ روسيا ـ وتلك الترسانات التي تملكها بلاد كانت تنتمي إلى الاتحاد السوفيتي سابقًا مثل أوكرانيا ـ وفوق ذلك تلك الترسانات التي تملكها دول صديقة في الغرب الآن"بريطانيا وفرنسا"ـ وذلك من باب الاحتياط ليوم تتغير فيه الأجواء وتختلف ـ وكله جائز!
وهكذا فإن الولايات المتحدة في دفاعها عن نفسها لا تتسابق مع طرف، وإنما هي تمنع كل الأطراف مرة واحدة!]
* المفتاح العاشر:
إن قوة الولايات المتحدة ـ المجتمع والدولة ـ عندما نمت وزادت وتراكمت، أصبح عليها أن تخرج من عزلتها وأن تتوسع بالمصالح والنفوذ إمبراطوريًا، وتلك طبائع الأشياء بعد قوة الأشياء.
لكنه كان لافتًا أن أمريكا شاركت في الحربين العالميتين الأولى والثانية بغير نظرية أمن!
وكانت تلك أول إمبراطورية في التاريخ لديها نظرية مصالح ـ وليس نظرية أمن ـ ذلك أنه في غياب"التهديد"لا يوجد مطلب"أمن".
وعلى سبيل المثال فإنه خلال حربين عالميتين، لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية في أي وقت معرضة لغزو، ولا كانت مدينة من مدنها مكشوفة أمام طيران مغير.
وفي اوروبا مثلًا ضربت كل العواصم، بل واحتل معظمها: باريس ـ روما ـ اثينا ـ فيينا ـ وارسو ـ براج ـ برلين ـ وفوقها نصف موسكو على الأقل. ونفس الشيء عواصم آسيا، وفي مقدمتها طوكيو وبكين وسنغافورة.