إن الدولة الأمريكية ظهرت في وقت احتدمت فيه الصراعات والثورات في أوروبا. فقد كان ذلك زمن قطع رقاب الملوك في إنجلترا وفي فرنسا ـ وزمن الحروب بين الإمبراطوريات التي اشتد غضبها ونقص دخلها بعد أن فقدت ممتلكاتها الأمريكية، وزادت عليها تكاليف السباق الاستعماري إلى آسيا وفيما بعد إلى أفريقيا.
وفي تلك اللحظة الحرجة من تاريخ الإمبراطوريات فإن زعيم وقائد الاستقلال الأمريكي:"جورج واشنطن"، قدم لوطنه وصيته الأهم وهي"الابتعاد تمامًا عن صراعات القارة الأوروبية التي لا تعني أمريكا، ولا تهمها، ولا يصيبها منها إلا الضرر".
وكانت وجهة نظر"جورج واشنطن"ان الصراعات الأوروبية بحور دمٍ لها منابع دم بعيدة غائرة في الزمن، وذلك كله حدث قبل ان تولد أمريكا لكن حدوثه الآن يعطي لأمريكا ميزة لأن التهاء أوروبا في حروبها السياسية والدينية والاقتصادية والاستعمارية يكفل للدولة الأمريكية المستقلة فترة كافية تدعم فيها وحدتها بصهر عناصر الهجرة اليها"باللغة والثقافة الجديدة"حتى تذوب وتتوحد مصالحها، وذلك يمكنها من صنع وطن ودولة ـ بل وأمة إذا توصلت عملية الصهر دون تدخلات من الخارج.
وإذا كانت وصية"واشنطن"صحيحة، وقد كان كذلك في زمانها، فإن ابتعاد أمريكا عن الصراعات الأوروبية كان لها ملحق ضروري هو تصفية بقايا الجيوب الأوروبية في أمريكا الشمالية، وتخليص ولايات الإتحاد وما حولها من قبضة الإمبراطوريات البائدة ـ وهنا جاءت الحرب مع البرتغال ومع إسبانيا.
[ومن غرائب التاريخ المصري أن آخر ملوك المكسيك وهو الإمبراطور"ماكسميليان"ـ طلب قوات تساعده في تمكين ملكه، وتطوع لمساعدته خديو مصر"سعيد"باشا، ثم"اسماعيل"باشا وكلاهما أرسل لـ"ماكسميليان"حملة عسكرية مصرية تفاوتت التقديرات في شأنها ـ فمن التقدير يقول إنها عشرة آلاف جندي مصري، إلى تقدير يصل بهذا الرقم إلا أضعافه ـ وبالفعل فقد ذهب مجندون مصريون ـ فلاحون بالسخرة ـ بالألوف جيشًا مهدى بلا مقابل من خديو مصر إلى إمبراطور المكسيك ولم يظهر لهؤلاء الآلاف فيما بعد عدد ـ ولا أثر!]
وفي كل الأحوال فإن الدولة الأمريكية الناشئة تطبيقًا لوصية"جورج واشنطن"قامت بتصفية كل الجيوب الأوروبية في أمريكا الشمالية.