في أمريكا اختلف الأمر. تأخرت الدولة كثيرًا عن الظهور، وإن تناثرت على سطح القارة بؤر استيطان وعمران مكشوفة راحت حتى عصور متأخرة"القرن السابع عشر والثامن عشر"تدافع عن نفسها بوسائل ابتدعتها من إنشاء شركات إلى إنشاء ميليشيات. ولما كانت الهجرة إلى أمريكا مستجدة، والثروات وفيرة، فإن الدول الأوروبية تدافعت، وراح ملوكها يبسطون حمايتهم على مساحات تفوق حجم ممالكهم الأصلية، وكذلك كانت سيادتهم رمزية.
لكن المجتمعات الاستيطانية الجديدة في أمريكا رأت لنفسها مصالح مختلفة عن مصالح هؤلاء الذين رأوا الفراغ الناشئ عن وجود"دولة أمريكية"وتقدموا لملئه ـ وهنا ظهرت حركة الاستقلال الأمريكية يقودها"جورج واشنطن"، وكانت بدورها معركة سهلة، وذلك أن السيادات الملكية الأوروبية كانت رمزية، ثم إن المجتمعات الاستيطانية الجديدة في أمريكا كبرت واتصلت، واشتدت حاجتها إلى دولة وطنية تحفظ لها مصالحها المتميزة عن غيرها، وتكفل للجميع أمنًا مشتركًا. وكذلك اتحدت الولايات، أو بعضها، في حرب لطلب الاستقلال ـ ثم تقاتلت الولايات مع بعضها في حرب لطلب الوحدة ـ ثم توصلت التجربة إلى شكل الدولة الاتحادية ـ بقوم عليها مركز قوى يملكه الجميع ـ وحقوق متساوية تمارسها الولايات دون وصاية من المركز. وفي ذلك كله كان الوطن الأمريكي يتوسع من الشرق إلى الغرب، والمدهش أن"الفتح"لم يجر بالسلاح في بعض الأحيان، وانما جرى بالشراء: جزيرة"مانهاتن"وعليها"نيويورك"جرى شراؤها مرتين"زعيم هندي أحمر باعها إلى شركة هولندية ـ وبعدها بعشرات السنين باعتها الشركة الهولندية إلى الولاية الأمريكية". ولاية كاليفورنيا"ـ صفقة بالبيع والشراء من اسبانيا"لويزيانا"صفقة مع فرنسا."
[كذلك عرفت التجربة السياسية الأمريكية نفوذًا يتوسع بالبيع والشراء، وبالخصم وبالتقسيط!
وربما هنا فإنه يمكن فهم ذلك الشعور الجازم في الكونجرس الأمريكي"بأننا اشترينا السلام في الشرق الأوسط بحمزة مساعدات أمريكية ملحقة باتفاقية كامب دافيد بين مصر وإسرائيل، واسمها الرسمي هو"جائزة السلام"ـ وقيمتها خمسة بلايين دولار سنويًا ـ تقسم بنسبة أكثر من ثلاثة لإسرائيل وأقل من اثنين لمصر ـ ومدة الجائزة عشرون سنة قابلة للتجديد"حتى يستقرب ويترسخ السلام!"]"
* المفتاح الثامن: