وكان ذلك ما حدث طوال قرنين من الزمان، فقط كان على أرض أمريكا الشمالية ـ وديانها وسهولها ومروجها وجبالها ـ ما يقدر عدده بخمسين مليونًا من الهنود الحمر عندما ظهرت"سانتا ماريا"ـ سفينة"كريستوفر كولمبوس"ـ تتقدم سفينتين وراءها. ثم ظلت أمريكا الشمالية تسمع طلقات الرصاص، وتلمح من بعيد دخانه، وترى على الأرض بقع دمه، وحين هدأت الضجة تبين أن ذلك الشعب النبيل الذي رفض أن يستسلم للنازلين على شواطئه والزاحفين على أرضه لم يعد باقيًا منه غير مليونين أو ثلاثة.
[وهنا يمكن فهم المنطلق الذي تحاورت به السيدة"مادلين أولبرايت"وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في مقابلة تليفزيونية"مايو سنة 1998":
سئلت"أولبرايت"عن استقالة اثنين من مفوضي الأمم المتحدة مسئولين عن تنسيق برامجها في العراق، وهما"دنيس هاليداي"و"هانزفون سبونيك"ـ كلاهما قدم استقالته لأنه لم يستطع أن يحمل على ضميره وزر وفاة نصف مليون طفل عراقي راحوا ضحية نقص الغذاء والدواء بسبب الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة"باسم الإمم المتحدة"على العراق؟
وردّت"أولبرايت"قائلة للسائل بالحرف:"ربما أنه ثمن غال كما تقول، لكننا نرى أن الهدف الذي نطلبه يساوي ذلك الثمن وأكثر منه"!!]
* المفتاح الخامس:
إن الضمير الأمريكي كان يتعين عليه أن يجد مسوغات معنوية ونفسية تبرر له جوانب العنف والقسوة في مغامرته التي بدأها على الشواطئ الأمريكية، ومنها إلى الداخل والوسط، وحتى أقصى الغرب، وهنا تأسس فكر راح يستكمل ويستوفي مطالبه وضروراته حتى تحول إلى مدرسة بأكملها.
وكانت بداية التأسيس من عناصر المهاجرين بسبب الاضطهاد الديني، ومن المفارقات أنه من عندهم ظهرت"نظرية المنفعة"في طبعتها الأمريكية، وفي سياقها الأساسي وخلاصتها:
? إن الله لم يخلق هذه الأرض وما عليها عبثًا، وإنما خلقها لبشر سواهم على مثاله.
? وإذا كان ذلك فإن هؤلاء البشر ـ على مثلا الأله ـ مكلفون بما ينفع الأرض ويحقق عليها كلمة خالقهم.
? وإذا كان نفع الأرض هو هدف البشر فإن الأقدر منهم على النفع هو الأحق بالقيام عليه.
? وإذا كانت هذه الأرض في حوزة الهنود الحمر منذ نشأة الحياة، ولم يقوموا بحقها ـ فإن مشيئة الله تتحقق بأن يحل محلهم من هو أقدر منهم.