إن الولايات المتحدة لم تنشأ كوطن، وإنما نشأت كموطن. ولم تبدأ كدولة، وإنما بدأ كملجأ. أي أن الولايات المتحدة في واقع الأمر بدأت ونشأ كفضاء مفتوح لكل من يقدر على عبور المحيط أو يضطر لعبوره وإن تنوعت الأسباب: كان هناك المهاجرون والأول من المغامرين ـ ثم لحقهم المنفيّون ممن كنت دول أوروبا راغبة في التخلص منهم لأسباب سياسية أو أمنية ـ ثم كان هناك الهاربون من الاضطهاد العنصري أو الديني ـ ثم كان هناك الباحثون عن الثروة في بلد تكشف أن موارده بلا حدود من الأرض إلى الماء ـ ومن الفضة إلى الذهب!
ومنذ تمت رحلة"كريستوفر كولمبس"الأولى ـ ثم الثانية ـ كانت الأخبار في العالم القديم عن العالم الجديد أسطورية. فتلك هي"أرض الميعاد"الحقيقة تتسع لكل من يشاء، وفيها ما يحتاج إليه وأكثر، ثم إنها أرض بلا ملوك ـ ولا كنيسة ـ ولا إقطاع ـ ولا قانون ـ ولا بوليس وإنما هي فضاء مفتوح لأي قادر على عبور المحيط، وعلى التعامل مع الحدود القابلة للاتساع والتمدد كل يوم.
[وربما أنه من هنا يمكن فهم استعداد السياسة الأمريكية في هذه اللحظة أن تتقدم لأي مشكلة بمقترحات غير محكومة بثوابت، وبمنطق أنه لا ملوك ـ ولا كنيسة ـ ولا إقطاع ـ ولا قانون ـ ولا بوليس ـ وإنما هو فضاء مفتوح!
وكذلك يتوصل رئيس ذكي مثل"بيل كلينتون"إلى أنه من"صالح العرب"أن يتركوا القدس لإسرائيل ـ وإذا كان العرب والمسلمون على تصميمهم بأن"القدس عربية"فإنه في مقدورهم تغيير اسم قرية قريبة"وراء التل"ـ هي"أبو ديس"ـ لتسمى"القدس"ـ وميزتها أنها على بعد كيلو مترات قليلة من القدس الأصلية أمام التل. ثم يضيف إنهم فعلوا كثيرًا في أمريكا، فهناك مدن كثيرة في أمريكا اسمها"القدس"، وهناك مدن اسمها"القاهرة"ـ"والإسكندرية"ـ و"بيروت"!]
* المفتاح الثالث:
إن الفضاء المفتوح لا يقبل باي عوائق من أي نوع، سواء في ذلك الطبيعة أو حتى سكانها الأصليون، ذلك أن الطبيعة لا بد لها أن تتسع بما يوافق طموح القادمين بحثًا عن الفرصة، ثم إن السكان الأصليين عليهم أن ينزاحوا وإلا فهم تذكرة دائمة للقادمين الجدد بأن هناك حقوقًا سابقة تعترض حقوقهم اللاحقة، وذلك خلط مادي ومعنوي كبير يجب تسويته ـ وبكل وسيلة متاحة!