فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 240

وبناءً عليه كله فقد أستطيع القول بأنني اقتربت وعاينت وخالطت بنفسي عقل القوة الأمريكية وقلبها، ومع ذلك فقط ظل يراودني إحساس بأن ما عرفته عن الولايات المتحدة ليس كافيًا ـ على الأقل ليس كافيًا لكي يفسر لي طبيعة السياسة الأمريكية، ومطالبها، ودوافعها، وأساليبها.

ولقد ظننت أن التجربة المباشرة في التعامل مع القوة الأمريكية حسنت معرفتي بحقيقتها، لكني مع ذلك ظللت على يقين بأن ما أعرفه ليس كافيًا.

بمعنى أن عبوري الأول للمحيط سنة 1951 ترك عليّ انطباعًا ـ جاء قاصرًا.

ثم إن عبوري الثاني للمحيط سنة 1952 ـ ترك لديّ إحساسًا بخيبة الأمل.

وتلى ذلك من سنة 1953 إلى سنة 1986 أربعة وعشرون عبورًا للمحيط إلى الغرب ـ أضافت إليّ بغير شك حصيلتها. لكنه بقي يراودني على نحو أو آخر إحساس بأن ما أعرفه عن أمريكا ما زال دون المطلوب.

ولقد ظننت في بعض الأحيان أنني توصلت بطول الدرس وتتابع التجارب إلى مجموعة من المفاتيح تصورتها مهمة لفهم أمريكا!

وإلى حد ما فقد يكون لهذا الظن بعض ما يبرره.

3ـ هل تكفى هذه المفاتيح لفهم أمريكا؟

أظنني توصلت بالتجربة والمعاينة، وبالقراءة والدرس، إلى"دستة"مفاتيح حسبتها مطلوبة لفتح بوابات أمريكا، والدخول منها، والبحث وراءها عن الأشياء والأحوال، بما قد يسمح بفهم أو برؤية تعزز فعلًا أو تسند ردَّ الفعل!

ومع أن الظن قد يكون إثمًا، فإنني أجازف بعرض المفاتيح التي توصلت إليها ـ تاركًا الحكم لغيري ـ أعلم وأقدر.

* المفتاح الأول:

إن الولايات المتحدة بلد محظوظ: لديه كثير من الجغرافيا وقليل من التاريخ. ومعنى ذلك أن لديه غنى في الموارد بلا حدود، وخفة في أثقال التاريخ وحمولاته لم يتمتع بها غيره، وذلك منحه اطمئنانًا إلى وفرة مادية طائلة ـ ثم إنه أعفاه من وساوس تاريخية ينوء بها عديد من الأوطان أو البلدان.

والذاكرة الوطنية للشعوب في بعض الأحيان عبء بمقدار ما هي حافز ـ لكن الهجرة إلى أمريكا كانت مشروطة بالتخلي عن القديم والبدء من جديد لمن يبغون الفرص الطموحة.

وإذا اعتبر هذا الحال فقرًا في الإرث أو التراث ـ فإنه كان في نفس اللحظة عونًا على مواجهة المستقبل مفرغًا من العقد والمسئوليات مما يخلفه الإرث أو التراث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت