فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 240

وفي تلك الأيام"سبتمبر 1952"زار مصر نائب وزير الدفاع الأمريكي"ويليام فوستر"، وكان ذلك أعلى مستوى بعثت به الولايات المتحدة إلى مصر في حينه. وتصادف مجيئه مع بداية المفاوضات المصرية ـ البريطانية في طلب الجلاء عن مصر، وكان ذلك شاغل الوطنية المصرية الأول والأكبر. ومع الرغبة المشتركة"مصرية وأمريكية"في إقامة علاقات ود من نوع جديد ومستوى أرقى ـ فإن مصر سألت، وكان السؤال على عشاء أقيم لنائب وزير الدفاع الأمريكي عن إمكانية شراء سلاح أمريكي للجيش المصري. وبدا الزائر في رده مستعدًا لقبول الطلب، وفي بعض تعليقاته متحمسًا. ومع أن السفير"كافري"الذي كان اللقاء على العشاء في بيته ـ بدا متحفِّظًا ـ فإن الحضور جميعًا، وأولهم"جمال عبد الناصر"، اعتبروا أن"حماسة"نائب وزير الدفاع الأمريكي هي الجواب، وأن ما بدا من تحفظ السفير الأمريكي هو جملة اعتراضية داعيها التحوّط الدبلوماسي الزائد لدى البيروقراطية في أي بلد في العالم!

وكان"كافري"ـ كما أظهرت التجارب ـ على حق. وكان على حق أكثر من مرة:

ـ مرة لأنه كان يعرف مسبقًا أن كلمة نائب وزير الدفاع لا تمثل ارتباطًا أكيدًا لحكومته "لأنه يتكلم اجتماعيًا على عشاء في بيت سفير لبلاده بعد أن احتسى كأسًا من الويسكي، وشدّ أنفاسًا من سيجار فاخر ـ كذلك كان تعبير"كافري"بالنص فيما بعد".

ـ ومرة ثانية لأن فترة سبتمبر 1952 والشهور التالية لها فترة انتخابات رئاسة أمريكية، والإدارة القائمة التي يمثلها"ويليام فوستر"الضيف الزائر ـ وهي إدارة الرئيس"هاري ترومان"ـ لم يبق لها في السلطة غير ثلاثة شهور انتقالية، والكل واثق مسبقًا أن الجنرال"دوايت أيزنهاور"هو الفائز ـ أي الرئيس القادم ـ بعد الانتخابات في نوفمبر 1952.

ـ ومرة ثالثة لأن"كافري"كان يعلم أن الولايات المتحدة لن تتطوع لمصر بأي شيء مقدمًا ـ دفعة على الحساب ـ خصوصًا من السلاح. فهي في تقديره"وهو صحيح"تفضل أن تتفاوض وتساوم مع حليفها البريطاني"بصرف النظر عن الهواجس والشكوك"ـ ثم إن الولايات المتحدة إذا أعطت شيئًا لمصر فلن تعطيها سلاحًا يمكن أن يستخدم ضد إسرائيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت