فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 240

ففي يوليو سنة 1952 ـ بعد عام واحد بالضبط من النظرة الأولى على أمريكا ـ قامت الثورة في مصر، وكان الخصم الخارجي الطبيعي لهذه الثورة هو بريطانيا"التي تحتل مصر"، وفرنسا"التي تحتل شمال أفريقيا". وفي عملية الفرز الضرورية للأوضاع الدولية ـ ذلك الوقت ـ فقد بدا أنه إذا أراد النظام الجديد في مصر طرفًا عالميًا كبيرًا يوازن القوى الإمبراطورية المتمسكة بمواقعها ـ فليس أمامه غير برلين: الولايات المتحدة الأمريكية وهي منافس ظاهر يطلب إرث الإمبراطوريات القديمة ـ والاتحاد السوفيتي وهو عدو زاحف يطلب نفس الشيء وإن بوسائل مختلفة.

وكان البديل السوفيتي في ذلك الوقت مستبعدًا لأسباب كثيرة ـ عقائدية وسياسية وثقافية وحتى جغرافية ـ ومن ثم كان البديل الأمريكي هو الخيار المعقول، وربما زكاه أن حساسية الإمبراطورية القديمة تجاه الولايات المتحدة بدت عاملًا مساعدًا، أو يمكن أن يكون مساعدًا.

وبصداقة خاصة مع"جمال عبد الناصر"نشأت وتوثقت عراها تلك الأيام"وما زالت"ـ وجدت نفسي في صميم سياساته، خصوصًا وهي وقتها"ومازالت"شواغل الوطن وهمومه!

ثم كان أن حضرت محاولته الأولى في مقاربة أمريكا وتشجيعها على دور أقبلت هي أيضًا عليه بحقائق الأشياء في الشرق الأوسط، وكان الأمل ـ تغذيه تصورات مثالية عن"دولة كبرى"لم تتورط بعد في سياسات إمبراطورية ـ أن الولايات المتحدة أقرب من غيرها إلى فهم تطلعات الشعوب العربية"والآسيوية والأفريقية"ـ والإحساس بأشواقها المشروعة إلى الحرية في عالم يجري بناؤه الآن على أساس مبادئ وميثاق الأمم المتحدة.

وكذلك حضرت لقاءات"جمال عبد الناصر""وعدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة وقتها"مع السفير الأمريكي في مصر تلك الأيام"جيفرسون كافري". وكان"كافري""الذي عرفته قبلها بظروف العمل الصحفي"ـ واجهة لا تعبر بدقة عن الشخصية الأمريكية، فالرجل أصلًا من عنصر"أنجلوساكسوني"ـ تمتلك أسرته أرضًا شاسعة في الجنوب الأمريكي من قبل الحرب الأهلية، وكان عمله الطويل سفيرًا لبلاده في باريس قد جعله ـ إلى جانب أصل"أنجلوساكسوني"ـ أقرب إلى"جنتلمان"من اسكتلندا منه إلى راعي بقر من تكساس ـ أو من لويزيانا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت