فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 240

وهنا كان الأمر يختلف هذه المرة في المجيء الأمريكي الأول إلى أوروبا أثناء الحرب العالمية الأولى.

فأمريكا التي شاركت في تلك الحرب ـ وادعت أيضًا أن مواردها صنعت النصر ـ لم تلبث أن سحبت قواتها عبر المحيط من حيث أتت، ولعله إحساسها أن الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية"بريطانيا وفرنسا"ما زالت متماسكة بما فيه الكفاية ـ وبالتالي فإزاحتها صعبة ـ وإرثها مؤجلًا بعد!

وأما هذه المرة، بعد الحرب العالمية الثانية ـ فإن القوات الأمريكية التي شاركت في الحرب لم تعد من حيث أتت، بل بقيت في أوروبا، وكانت الإشارات واضحة، وأوَّلها أن أمريكا أصبحت على يقين من أن الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية لم تعد تستطيع أن تحافظ على أمن دولى أو استقرار.

وفوق ذلك، وهو الأخطر، فإن الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية نفسها ـ ذلك الوقت ـ راودها خوف من انسحاب أمريكي يعود إلى الشاطئ الغربي للمحيط الأطلسي، ويتركها وحيدة في القارة الأوروبية أمام جحافل الجيوش الروسية التي زحفت من الشرق إلى ألمانيا في المعركة الأخيرة ضد"هتلر". وهذه الجحافل الروسية مل تجيء إلى الغرب إعصار نار فقط، وإنما هي تحمل وراء إعصار النار نظرية اجتماعية لها تلك"اللحظة التاريخية"فعل حريق ـ وهي الشيوعية!

هكذا كانت أمريكا تريد أن تبقي في أوروبا ـ ولم تكن تدارى فيما تريد.

ثم إن أوروبا بدورها كانت تخشى أن تبتعد أمريكا كما فعلت مرة من قبل. وعلى أي حال فقد كانت لدى الإمبراطوريات الأوروبية بقايا ثقة بالنفس جعلتها تتصور أن زمانها فيه عمر ـ وأنها ما زالت قوى كبرى مهابة وليست إرثًا ضخمًا يجري حصره استعدادًا لإجراءات نقل ملكيته!

وهكذا فإن لقائي الأول السريع مع الولايات المتحدة أخذه جموح الشباب ـ وتأثر أيضًا بما شاع وقتها في أوروبا ـ ومنها إلى غيرها في العالم ـ ثم إنه استعار في بعض مواقفه نظَّارة صديق!

على أن التجارب تعلِّم الناس أن الحقيقة أعقد من نظرة أولى ـ وأكبر من انطباع يشيع في زمن بعينه، له أحواله ومناخه.. وأخطر من مأثورات تنتشر حتى وإن كان فيها الكثير من الصدق، والحكمة المختزلة.

2ـ حوارات طويلة مع السياسة الأمريكية:

لم يكد يمر عام واحد منذ عبرت المحيط غربًا لأول مرة ـ سائحًا أكثر منى دارسًا، ومتفرجًا أكثر منى مشغولًا ـ حتى وجدت نفسي طرفًا نشيطًا في جدل سياسي طويل ومعقد مع السياسة الأمريكية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت