فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 240

-جلسنا مع الرجل بضع دقائق قبل الغداء، ثم دعانا إلى المائدة بقوله:"أظن أننا في حاجة إلى التزود بالوقود"!

-وكان الطبق الأول على المائدة حساء"كونسوميه"ساخنًا جدًا، وأراد مضيفنا أن يشرب بسرعة، وكان لا بد من تبريد الحساء، وهكذا أخذ"فورد"من وعاء في منتصف المائدة قطعة ثلج وضعها في طبق الحساء قائلًا:"هذا أحسن". وراح يشرب.

-وحين فرغنا من الغداء والقهوة، وحان وقت انصرافنا، أشار لنا أن الحمام موجود إذا رأى أحدنا أن يغسل يديه أو أراد شيئًا آخر، لكن إشارته إلى الحمام وردت بأسلوب"جلف"لأنه قال لنا:"إن عادم الطاقة لا بد أن يجد لنفسه مخرجًا!"

ثم قلت للدكتور"عزمي"في نفس الخطاب:"تصور كل هذا الفساد في الذوق والتعبير في نصف ساعة"!

هكذا كانت نظرتي الأولى على الولايات المتحدة الأمريكية.

وأحسب ـ بأثر رجعي ـ أنها كانت نظرة مشوبة إما بنوع من العجلة سارعت إلى اتخاذ موقف دون أن يكون لديها ما يكفي من المعرفة ـ أو أنها كانت منحازة مبكرًا متأثرة في ذلك بدوافع غير موضوعية. لكنه في تلك الأيام كان يطمئنني أن شعورًا من الحساسية إزاء الأمريكان يتسع ـ حتى في أوروبا ـ في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وكان في إنجلترا على سبيل المثال تعبير ذائع يقول"إن العيب في الأمريكان.. أن لديهم أكثر من اللازم من الطعام ـ وأكثر من اللازم في الملبس ـ وأكثر من اللازم في الجنس ـ وأكثر من اللازم في وجودهم هنا""أي في إنجلترا، وفي أوروبا بعموم".

وكان ذلك يقال في إنجلترا وفي أوروبا، وكان الرد الأمريكي عليه أنه الحقد والحسد لأن أوروبا التي ظنت نفسها ـ بضرائب الدم وتكاليف الدمار ـ صانعة النصر في الحرب العالمية الثانية ـ عرَفت بعد انتهاء المعارك أن الموارد الأمريكية هي صانعة النصر الحقيقي، ثم إن الولايات المتحدة خرجت من وسط العاصفة مالكة لأهم ثروات العالم: نصف ذهبه في خزائنها دخل قلعة"فورث نوكس"، وثلاثة أرباع بترولة امتياز تمسك عقوده في يدها، ومائة في المائة من قوته النووية في ترسانتها.

وكذلك فهو الحقد والحسد من عالم قديم ـ نحو عالم جديد.

ولم تكن أكثر المواقع حساسية تجاه الأمريكان أنهم الأغنى، أو الأقوى، أو الأوفر غذاء وكساء ـ وإنما كان موضع الوجع الحقيقي أن تواجدهم وظهورهم"هنا""في أوروبا خصوصًا"ـ بدا وجودًا جاء ليقيم ويبقى!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت