فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 240

لكن"المكارثية"السائدة والحاكمة في أمريكا وقتها"وكذلك قصور الشرق الملكية"لم تفرق بين أن تكون"بوشكا"روسية أو"بلشفية"ـ فقد كانت الواحدة موصولة بالأخرى زمن الاتحاد السوفيتي.

وعند وصولي إلى نيويورك عرفت أن الدكتور"محمود عزمي"يسكن فندق"الباربازون بلازا"المطل على"سنترال بارك". واتصلت به، والتقينا. وفي لقائنا مشينا من فندقه في الشارع السابع إلى ميدان"التيمس"الشهير، وطوال الطريق كان الدكتور"عزمي"ساخطًا على كل ما يرى!

وأتذكر عند وصولنا إلى الميدان الشهير أن الدكتور"محمود عزمي"توقف أمام محل لربطات العنق وقال ما مؤدّاه"أن واجهة المحل وهي تعرض العشرات من ربطات العنق صورة ناطقة بالذوق الأمريكي ـ في تعبيره المباشر عن حال الثقافة الأمريكية".

وفي ذلك الوقت كانت ربطات العنق الأمريكية صاخبة في الألوان والأشكال والرسوم إلى درجة تثير الاندهاش، وما هو أكثر منه أحيانًا. وفي تلك الوقفة أمام محل ربطات العنق في ميدان"التيمس"كان الدكتور"عزمي"يشير إلى ربطة عنق بالذات صفراء اللون، في وسطها رسم عين سوداء فقأها دبُّوس حاد فاسال بطولها نقطًا حمراء كأنها قطرات دم. ثم مضى يقول بمزيج من السخرية والاشمئزاز:"تفضّل يا سيدي ـ هذه هي القيم الجمالية للحضارة الجديدة التي يتعين علينا أن نتعامل معها". ثم يضيف الدكتور"عزمي"بلهجته المشهورة وقتها:"ها الله ها الله يا سيدي على الحضارة الجديدة"!

ومن الواضح لي ـ بعد زمن طويل ـ أن الدكتور"محمود عزمي"كان له تأثير من نوع ما على نظرتي إلى الولايات المتحدة ـ ذلك أنني بعد أسبوع في نيويورك قصدت إلى"ديترويْت"لرؤية تلك القلعة الصناعية الكبرى"للسيارات"، وكان من حظى بتوصية من الوفد المصري الدائم إلى الأمم المتحدة ـ أنني وجدت نفسي ضيفًا على مائدة غداء مع"هنري فورد""الثاني"، وهو وقتها رئيس مجلس إدارة شركة"فورد"للسيارات. ويومها كنا خمسة ضيوف على مائدته من جنسيات مختلفة.

ومساء نفس اليوم كتبت من"ديترويت"خطابًا إلى الدكتور"عزمي"في نيويورك" أصف له وقائع الغداء مع"هنري فورد""الثاني"قائلًا له:"

"أنت في نيويورك تشكو مما تراه حولك من تعبيرات الثقافة الأمريكية ـ فما بالك بما هو موجود هنا في الداخل الأمريكي وما عشته بنفسي اليوم في"ديترويت"على مائدة"هنري فورد"."

تصور ثلاث ملاحظات قالها الرجل في طرف نصف ساعة ـ وتأمل معانيها"الحضارية!":

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت