فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 240

وربما أن جزءًا من هذا الجموح في ذلك الوقت ـ يرجع في بعض منه إلى تأثير صديق كبير كان بالنسبة لي أيامها مزيجًا من"مرشد ومعلَّم"، وأقصد الدكتور"محمود عزمي"، وهو واحد من أهمَّ العقول المصرية المفكرة في العشرينات والثلاثينات من ذلك القرن العشرين، وكان رائدًا من رواد الكتابة الصحفية المتعمقة في قضايا الشرعية والديمقراطية والتجديد. وكان منذ عاد من بعثته إلى"السوربون" (في باريس) لتدريس القانون في الجامعة المصرية الوليدة (ذلك الوقت) ـ قد انجذب إلى الحياة العامة، وشارك في الحوار النشيط الذي دار طوال العشرينات حول الخلافة، والدستور، وحقوق المرأة.. وغيرها.

وكنت قد تعرّفت على الدكتور"محمود عزمي"أواخر الأربعينات، وأصبحت مدعوًا كل يوم خميس إذا كنت في مصر إلى بيته ـ في حدائق القبة ـ حيث كان يعيش مع زوجته الروسية. وكان بيتهما حافلًا بثلاثة مواضع للجمال قريبة إلى العقل والقلب: كتب التراث العالمي ـ والموسيقى الكلاسيكية ـ وتلك الساعات المليئة بالتأمل والسكينة أمام مدفأة تتحاور فيها ألسنة النار في ليالي الشتاء الباردة.

ثم كان أن لقيت الدكتور"محمود عزمي"في اليوم التالي لوصولي إلى نيويورك (سنة 1951) وهو وقتها عضو في الوفد المصري لدى الأمم المتحدة ـ ثم وجدته ناقدًا إلى درجة النقمة على أمريكا وكل ما فيها، والسبب"كذلك عرفت منه ثم فَهَمت أكثر فيما بعد"أنه رغم عضويته في الوفد المصري إلى الأمم المتحدة ـ رفضت السلطات الأمريكية طلب تأشيرة دخول لزوجته"لأنها روسية ـ شيوعية ـ وكانت تلك ـ سنة 1951 ـ سطوة السناتور"مكارثي"الشهير ـ الذي نسبت إليه فترة"المكارثية"، وهي اتهام ومطاردة كل شبهة في تحرر أو يسار، واعتبارها انتماء للشيوعية يستوجب البتر والتطهير".

ولم تكن"بوشكا""كما كان الدكتور"عزمي"يدلَّل زوجته"شيوعية ـ بل على العكس فقد كانت في الواقع روسية بيضاء من أسرة هاجرت إلى باريس بعد"الثورة البلشفية"، والتقت بزوجها وهي تدرس القانون ـ مثله ـ في"السوربون".

"والغريب أن القصر الملكي ـ من أيام الملك"فؤاد"وحتى أيام ابنه الملك"فاروق" ـ كان يعتبر"بوشكا"شيوعية ـ وكذلك فإن الدكتور "عزمي"وجد سقفًا على فرصه في الحياة السياسية المصرية لم يستطع تجاوزه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت