وأتذكر أن المرجع الرئيسي الذي رحتُ أطالع فيه طول سفرتي الأولى عبر المحيط ـ كتابٌ ذاع شأنه وقتها للكاتب الإنجليزي الشهير"دوجلاس ريد"وكان عنوانه"بعيدًا وواسعًا"far and Wide. وما زلت أذكر فصل البداية في الكتاب، وملخصه ما لاحظه"ريد"من أن"كل الأمريكيين يجرون أو يهرولون، واستنتاجه أن بعضهم يحاول الهرب من ماض يخاف أن يلحقه ـ وبعضهم الآخر يحاول الإمساك بفرصة يخاف أن لا يلحقها!"
وعندما أراجع ما نشرته عن تلك السفرة الأولى إلى أمريكا ـ في مجلة"آخر ساعة"ـ وكنت أرأس تحريرها في ذلك الوقت ـ فإني أستطيع الآن أن أتمثل الصورة التي رأيت عليها أمريكا وقتئذ:
? كتبت تحقيقًا عن الرأسمالية الكبيرة التي تحكم أمريكا، تكرر فيه استشهادي بكتاب"ستين عائلة تحكم أمريكا". وكان ذلك كتابًا أوصاني بقراءته الدكتور"محمود فوزي"مندوب مصر في مجلس الأمن"وقد أصبح الدكتور"فوزي"فيما بعد وزيرًا للخارجية، ورئيسًا للوزراء، ونائبًا لرئيس الجمهورية".
? وتحقيقًا ثانيًا عن"التمييز العنصري"ضد السود في أمريكا، وقد بنيته على زيارة قمت بها إلى الجنوب الأمريكي، وإلى ولاية"لويزيانا"حتى عاصمتها"نيو أورليانز".
? ثم تحقيقًا ثالثًا وأخيرًا عن"الجريمة المنظمة في أمريكا"، وكان موضوعه ذلك الدور الذي تقوم به عصابات"المافيا"في الحياة الأمريكية: في الاقتصادي والمال ـ وفي السياسة بما فيها انتخابات الرئاسة والكونجرس بمجلسيه ـ وحتى في مجالات الفنون بما فيها عاصمة السينما في"هوليوود".
ومع أن تلك كانت ـ وما زالت ـ عناصر مهمة في الحياة الأمريكية، فإنني فيما بعد أدركت أنها جزء من الحقيقة الأمريكية، وليست كلها، وأن التركيز عليها وحدها ـ في تلك السفرة الأولى إلى أمريكا ـ كان قصورًا ـ لعل بعضه جموح شباب!