ثم كان أن وجدت نفسي أخيرًا ـ ولأسباب طارئة ـ عابرًا للمحيط ثلاث مرات متوالية، عائدًا مرة أخرى وأخرى وأخرى إلى أمريكا مسلِّمًا مع"فرانك ويزنر"بأن"الولايات المتحدة أكبر وأخطر من أن يقاطعها أحد".
وهذه المرة الأخيرة ـ وهي العبور التاسع والعشرون إلى أمريكا ـ خطر ببالي أن ذلك البلد الذي لا يستطيع ـ لحسن الحظ، أو لسوء الحظ ـ أن يقاطعه أحد يحتاج إلى استكشاف جديد بعد مرور خمسين سنة على أول عبور إليه سنة 1951.
[والشاهد أن إعادة استكشاف الأشياء والأفكار والظروف ـ وحتى الأمزجة ـ عملية ضرورية لا بد أن يقوم بها الناس ما بين الوقت والآخر ـ نوعًا من الحساب والمراجعة والتثبت بالحذف والإضافة حيال أزمنة متغيرة ـ وإلا فإن هؤلاء قد يتنبَّهون ذات يوم وإذا الحقائق قد غافلَتْهم وسافرت إلى المستقبل، وتركتهم حيث توقَّفوا بظن ـ أو وهم ـ أنهم"أدركوا"و"تيقنوا"بما لم تعد بعده زيادة لمستزيد.]
وربما اعترفت أنني في ذلك العبور الأول للمحيط ـ السفرة الأولى للولايات المتحدة الأمريكية ـ سنة 1951 ـ لم أرتِّب نفسي بما فيه الكفاية لإعادة اكتشاف العالم الجديد!
? وعلى نحو ما فقد تأثرتُ بالصورة الشائعة وقتها عن الولايات المتحدة الأمريكية، وانطباعها أن أمريكا بلد فادح الغنى، وهو غنى مفاجئ لم تروضه ثقافة متأصلة، ونتيجة لذلك فإن هذا البلد قوة هائلة لكنها ساذجة ـ لم تصل إليها خبرة وحكمة القارات القديمة. وكذلك فهو بلد سهل وبلا عقد كما تعبَّر عنه أفلام"هوليوود"ـ على عهد براءتها الأولى، فهم جميعًا رجال على رسم النجوم أمثال"كلارك جيبل"و"روبرت تيلور"و"جاري كوبر"، وهن نساء على رسم"جريتا جاربو"و"نورما شيرر"و"بيتي دافيز"، وأما الأطفال فكلهم"ميكي روني" (صبي مرح) ـ أو (شيرلي تمبل) (طفلة جميلة) .
وبرغم هذه الصورة البرَّاقة فقد كان هناك كلام كثير خصوصًا في أوروبا مؤداه أن المخفي يختلف عن المعلن، وربما من هنا أنني تلك السفرة الأولى إلى الولايات المتحدة ـ قبل نصف قرن ـ وضعت في حقيبتي عدة مراجع لا بد أنها كانت تشير إلى شكوك ساورتني عن العلاقة بين المخفي والمعلن في الشأن الأمريكي.