فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 240

أي أنها ـ بالطيران، ومحطات الوقوف، وليلة المبيت ـ ثلاثة أيام إلى نيويورك ـ ومع ذلك بدت تلك أيامها معجزة من المعجزات، قياسًا على ما كان قبلا، وما ظل حتى الحرب العالمية الثانية، حين كان السفر بالبواخر أربعة أسابيع ـ شهر كامل على أقل تقدير ـ من الإسكندرية إلى نيويورك!

وربما أن طول المسافات على هذا النحو ـ حتى بالطائرة ثلاثة أيام ـ كان يوحي بأن أمريكا بعيدة، لكن الزمن راح يتلاشى بإيقاع تضطرب له الحواس، فقد عبرت المحيط في أوائل الثمانينات خمس مرات بطائرة"الكونكورد"في وقت لا يزيد على ثلاثة ساعات واثنتي عشرة دقيقة كل مرة، مخترقًا خمس مناطق زمنية في هذه الساعات الثلاث وبضع دقائق، ثم توقَّفتُ عن استعمال"الكونكورد"قانعًا بالنفاثات العادية تعبر المحيط في ست ساعات: ساعة أو أكثر قليلًا لكل منطقة زمنية، وهو عبء وجدته أخف على التوازن البدني والنفسي!

وكنت منذ أواخر الثمانينات وحتى أواخر التسعينات قد امتنعت عن السفر إلى أمريكا، لأن زيارتها أصبحت بالنسبة لي ـ على الأقل ـ عبئًا على الأعصاب تتزايد وطأته، فضلًا عن أنه لم يعد هناك إلحاح على ضرورته. وفي وقت من الأوقات كان أي مصري أو عربي مهتم بالسياسة يذهب إلى واشنطن ووراءه سند سياسي قوي ـ حتى ولو كان السند نوعًا من الأساطير (والأساطير حقائق سياسية إذا قبلها المعنيون بها، ومع ذلك فإن فكرة وحركة القومية العربية لم تكن أسطورة) ـ وكذلك فقد كان في مقدور أي مهتم بالسياسة ـ مصريًا كان أو عربيًا ـ أن يقصد إلى نيويورك أو واشنطن معززًا بنوع من المصداقية فيما يقول به أو يحاور أو حتى يتفاوض عليه. لكن الصورة راحت تتغير بما جرى للعالم العربي وفيه، والنتيجة أن الأوضاع العربية في الولايات المتحدة أصبحت مكشوفة ـ بل وعارية. وكان المزعج أن السياسة العربية نفسها هي التي تكفّلت أولًا بنَزع سلاحها، ثم تطوعت ثانيًا بنَزع ملابسها ـ ثم إنها ـ ثالثًا فرطت في ثقتها بنفسها وما يلازم هذه الثقة من عزة الكبرياء.

وهكذا أصبحت أجد عبور المحيط في ثلاثة أيام أو ثلاث ساعات عبئًا معنويًا ونفسيًا لا حاجة لي به. وتوقفت عن السفر إلى أمريكا. ورغم أن"فرانك ويزنر"سفير الولايات المتحدة الأسبق في مصر لم يكف عن تذكيري بين وقت وآخر أن"الولايات المتحدة أكبر وأخطر من أن يقاطعها أحد"ـ فقد ظللت لأكثر من عشر سنوات مكتفيًا بالشاطئ الشرقي للمحيط الأطلسي ـ لا أفكر في غربه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت