هذه هي المرة التاسعة والعشرون التي أعبرُ فيها المحيط قاصدًا العالم الجديد، وهو لم يعُد الآن جديدًا، وإن ظلَّ ـ بعد ستَّة قرون ـ في حاجة إلى الاكتشاف أو إعادة الاكتشاف حتى يمكن فهمه، لأن أمريكا الآن لم تعد فقط تلك القارة المليئة بالفرص، أو المعبَّأة بالقوة، أو المصممة على مشروع يرث الإمبراطوريات القديمة ـ وإنما لأن الإمبراطورية الأمريكية أصبحت ظاهرة غير مسبوقة في قصة الإنسانية، فهي حاضرة في كل قارة من قارات الدنيا ـ ضاغطة على كل إقليم ـ محشورة في كل بلد ـ مندسَّة في كل بيت ـ وتلك أحوال تدعو بالتأكيد إلى القلق لأن العالم لم يعرف من قبل دولة"متداخلة"، إلى هذا الحد في حية ومستقبل غيرها من الدول. وقد عرف العالم من قبل دولا"متدخِّلة"لكن التداخل"الأمريكي في حياة البشرية مع بداية القرن الواحد والعشرين"الألفية الثالثة الميلادية"ـ تجربة طارئة تستوجب"القلق"ـ وتستدعي التنبه ـ في محاولة للفهم هي الآن"ضرورية"وعاجلة!."
ومن المصادفات أن هذا العبور التاسع والعشرين للمحيط إلى أمريكا توافق بالنسبة لي مع موعد العبور الأول، وبفارق خمسين سنة بالضبط ـ فقد كانت أول سفرة قصدت فيها"العالم الجديد"سنة 1951 ـ والآن 2001 ـ نصف قرن بالضبط!
وفي ذلك الزمن قبل خمسين سنة ـ بدت لي الولايات المتحدة الأمريكية قوة طالعة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، توشك أن تدخل الساحة الدولية لاعبًا كبيرًا ـ لكنه لم يخطر ببالي في ذلك الوقت أن الولايات المتحدة ـ بعد خمسين سنة ـ سوف تصبح اللاعب الرئيسي ـ وربما الوحيد حتى إشعار لاحق ـ وأن تأثيرها على الدنيا، وعلى المنطقة التي تعنيني أكثر من غيرها في هذه الدنيا، سوف يبلغ هذا المدى الذي نراه، ونحس به ، ونتأثر منه إلى هذه الدرجة.
وعندما قصدت أول مرة إلى أمريكا كانت الرحلة من القاهرة إلى نيويورك تستغرق ستًّا وثلاثين ساعة في الجو، من القاهرة إلى أثينا محطة ـ ومن أثينا إلى روما محطة ثانية ـ ومن روما إلى لندن محطة ثالثة ـ ومن لندن إلى مطار"جاندر"في إيرلندا محطة رابعة ـ ومن"جاندر"ألى"ريكيجافيك"في أيسلندا محطة خامسة ـ ومن"ريكيجافيك"ينزلق الخط الملاحي بالطائرة إلى"جرينلاند"، ومنها على شواطئ"ماينز"وحتى نيويورك ـ وكذلك كانت هناك دائمًا ضرورة لقضاء ليلة مبيت في منتصف الطريق، والغالب في باريس أو لندن.