وفي حرب قصد بها أن تدور (( بأسلحة الأفكار وليس بأسلحة النار ) )، فإنه بلدين ـ دولتين بقيت لهما ـ يعد كل ما جرى لسياسة الأحلاف ـ أهمية خاصة في الحسابات الأمريكية لهذه المنطقة الشاسعة (آسيا وأفريقيا والجسر الواصل بينهما) .
? البلد الأول هو المملكة العربية السعودية، باعتبارها موطن الإسلام الأصلي"ومع أن الإسلام هاجر شمالا في كل اتجاه ليحقق انتشاره ويصنع تاريخه ويقيم حضارته"ـ فإن ذلك البلد"ومهما قيل عن الانتشار والتاريخ والحضارة"بقي مقر الحرمين الشريفين بما لهما من هيبة وقداسة، لكن وساوس المملكة ظلت تؤرقها لأنه حينما تكون القيمة غنى فإن القيمة ذاتها تصبح مصدر التهديد لأن الطمع حولها يزيد!
يضاف إلى ذلك أن الطبيعة خصت هذا البلد بثروة نفطية هائلة تمكنه من نفوذ سياسي يضيف إلى المكان مكانة يساعد عليها قيام منظمة المؤتمر الإسلامي.
? وأما البلد الثاني فهو باكستان باعتبارها"دولة الإسلام"في شبه القارة الهندية، وربما في العالم؛ لأن الإسلام فيها هوية وطنية إلى جانب كونه عقيدة دينية. وقد نشأت باكستان بالعداء وبالانسلاخ عن الهند في وقت كان للهند فيه وضع خاص في حركة التحرر الوطني عبر القارات ـ وبهذه النشأة فإن باكستان شعرت بوحشة حاولت تعويضها بصلات وثيقة مع الولايات المتحدة، وكان من هنا أن باكستان شاركت في كل مشروعات الأحلاف الأمريكية للشرق الأوسط"حلف بغداد والحلف المركزي والحلف الإسلامي"ـ والمشكلة أن هذه الأحلاف جميعا تعثرت على الطريق وسقطت، وبقيت دولة الإسلام وحيدة تبحث عن صحبة أو تبحث عن غطاء.
كانت باكستان موقعا وضعته الجغرافيا ملاصقا للهند ومجاورا للصين وقريبا من الاتحاد السوفيتي، وعلى الخريطة فإن باكستان هي أقرب نقطة من جنوب الاتحاد السوفيتي إلى المياه الدافئة، وذلك حلم الإمبراطوريات الروسية من عصر بطرس الأكبر إلى عصر ستالين الرهيب.
بالزيادة على ذلك ومع اشتداد الحرب الباردة، فإن موقع باكستان جعلها بالضبط في منتصف المسافة بين عالمين كلاهما يفور مثل بركان:
ـ عالم على الشرق منها يحتوي كوريا والهند والصين وفيتنام.
ـ وعالم على الغرب منها يحتوي الدول العربية وإيران، وكانت تلك الدول ـ تلك الأيام ـ وعلى خط ممتد من القاهرة إلى طهران تعيش مرحلة من التغييرات العنيفة سياسية واجتماعية، اندلعت فيها ثورات ووقعت انقلابات ونشبت صراعات أهمها بالطبع صراع العرب مع إسرائيل.