وحاولت أن أشرح لوزير الخارجية الجديد، أن هوية المنطقة عربية باللغة الواحدة والتاريخ المشترك على الأقل ـ وأن المحتوى الحضاري للهوية القومية"إسلامي"بلا جدال، وهو في معظمه إسهام ثقافات عاشت قبل الإسلام ثم آمنت به وصبت فيه ثقافاتها مثلما فعلت مصر والشام"حافة الدولة البيزنطية"وفارس وتركيا وحتى أوربا المسلمة في الأندلس ـ لكن وزير الخارجية الجديد لم يكن هاجزًا للكلام عن مكونات الحضارة وإنما كان يفكر في شيء آخر وقد أفلت منه أثناء الحديث قوله"إن المنطقة عندكم تعوم على بحرين: بحر من البترول وبحر من الدين"!
ولم يكن على بالي وقتها أنها معركة حول"الافكار"وأن للإسلام فيها دورا مرسوما، وأن شعارات هذا الدين على وشك أن تصبح رهينة في يد"آلان دالاس"شقيق"جون فوستر دالاس"في معركة القرن التي بدأت، وأن خطف العقائد في الخمسينيات سوف يسبق خطف الطائرات في السبعينات!
[وفيما بعد علمت"ومن مساعد وزير الخارجية والسفير الأمريكي بالقاهرة"هنري بايرود""ـ أن إدارة أيزنهاور تأثرت في سياستها إزاء العالم العربي بدراسة قام بها فريق من أساتذة جامعتي"برينستون"و"شيكاغو"وعلى رأسهم الدكتور"بولك"ـ أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة شيكاغو ـ وقد ذهبت هذه الدراسة إلى أن الدولة الوطنية في العالم العربي ظاهرة حديثة وهشة، وأن المنطقة عاشت إلى مطالع القرن العشرين تحت سلطة خلافات إسلامية انتهت"بالعثمانيين"الذين حكموا من"استنبول"إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى.
وأضافت الدراسة أنه حتى في قرون الحكم المملوكي الطويلة فإن أمراء المماليك غطوا فجوة الشرعية في دولهم بخلفاء من بقايا العباسيين حمل كل واحد منهم لقب"خليفة المسلمين"، ومع ذلك ظل ألعوبة في يد"الأمير المملوك".
أضافت الدراسة أيضًا أن مشايخ الدين ـ بمن فيهم علماء الأزهر ـ قاموا باستمرار بدور الوسيط بين الأمير"المملوك"وبين رعاياه المسلمين. وعن طريق هؤلاء المشايخ كانت الرعية ترفع للمملوك مظالمها، وإلى هؤلاء المشايخ كان المملوك وأعوانه يعطون التوجيهات ضمانًا للسمع والطاعة.]