? وأما بالنسبة للضفة الجنوبية ـ الشرق أوسطية ـ فإن واقع الحال كان مختلفًا، ذلك أن معظم بلدانها ودولها فاتتها عصور التنوير، والنهضة، ومنظومة القيم التي أتت معها، كما فاتتها عصور الانطلاق التجاري والصناعي والمالي واتساع الثروة التي راكمتها، وبالتالي فهذه البلدان والدول أمامها على طريق التقدم عقبات وعوائق يصعب اجتيازها ببرامج للمساعدات الاقتصادية مهما كانت سخية، ومع التخلف والضعف الذاتي زائدًا عليها جاذبية صور التقدم التي تراها هذه البلدان والدول الشرق أوسطية متحققة أمامها في عوالم قريبة منها"على الضفة الأخرى شمال البحر الأبيض"ـ فإن هذه البلدان والدول ـ جنوب البحر ـ سوف تجد نفسها ممزقة بين واقعها وطموحها، وذلك يجعلها مكشوفة، فإذا أريد تحصينها ضد الغواية، إذن فهو الدين يعوض عن الدنيا، ويعد بجنة في الحياة الأخرى تشتريها هذه الحياة الأولى. والأرضية اللازمة لهذه المقايضة جاهزة لأن مادية الشيوعية بالقطع متصادمة مع روحانية الدين.
وكذلك رسمت الخرائط وكذلك تحددت وسائل الحرب الباردة وتحددت أسلحتها على ضفتي البحر الأبيض: شمالًا وجنوبًا:
? الضفة الغرب أوربية ـ فإن الوسيلة الرئيسية فيها"مشروع مارشال"يعطي للمتقدمين سابقًا فرصة استعادة التقدم ومعه الديمقراطية، والسلاح الحامي لاستئناف التقدم هو منظمة حلف الأطلنطي. والضفة الشرق أوسطية ـ فإن الوسيلة الرئيسية فيها هي الدين وأفضله ـ من وجهة نظر أمريكية ـ ماركز على استعادة القديم بدعوى الرجوع إلى الإصول ، والسلاح الضامن للإصول ـ في هذه الحالة ـ عمل من وراء ستار، لأن الولايات المتحدة لا تستطيع على المكشوف أن تقف وتدعو من شرفات المآذن أو أبراج الكنائس إلى التمسك بأهداب الدين والعزوف عن مطالب الدنيا رجاءً في نعيم الآخرة.
الورقة الثالثة:
خطف الأديان سبق خطف الطائرات!
عندما انتخب"دوايت أيزنهاور"رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية في شهر نوفمبر سنة 1952 ـ ودخل البيت الأبيض أواخر يناير 1953 ـ اختار معه رجلين لأعلى المناصب في إدارته، وتصادف أنهما شقيقان لأب قضى عمره وعمله قسيسًا داعيًا إلى ملكوت السماء!