ومعنى ذلك أنها صور في الأحلام لها القدرة على صنع مثال في الواقع ـ يجذب قلوب وعقول آخرين بعضهم ينتمي إلى العالم المتقدم"وهم يريدون إعادة ترميم حياتهم بعد إعصار الحرب"، وبعضهم الآخر ينتمي إلى العالم المتخلف الذي أيقظه إعصار الحرب،"وقد هرولوا إلى الساحة باحثين عن حلم وعن مثال".
ومعنى ذلك ـ أيضًا ـ أن الصراع في شكله الجديد صراع نظريات"أفكار"لها القدرة على التحقيق"تجربة حية".
? يصاحب ذلك إدراك عملي بأن احتكاك النظرية الرأسمالية والشيوعية ـ و"المثال"المجتمعي المتجسد للاثنتين في دولة، لن يكون بينهما مباشرة وإنما"يجوز"أن يكون عند غيرهما وعلى أرضه.
يلي ذلك أنه إذا وصل الاحتكاك إلى الدرجة التي يتطاير فيها شرر وينشب حريق، فإن النار يجب أن تظل بعيدة عن الترسانات النووية ـ أي هناك على أرض الآخرين!
وهكذا فهي بالدرجة الأولى حرب في قلوب وعقول هؤلاء الآخرين ـ ثم إنها في الدرجة الثانية وإذا حكمت الظروف ـ حريق على أرض هؤلاء الآخرين.
وكذلك انطلقت النظريتان، القوتان ـ إلى سباق يقطع الأنفاس وكانت تلك هي الحرب الباردة!، وقد توافقت بدايتها مع رئاسة"أيزنهاور"للولايات المتحدة الأمريكية، وكانت إدارته هي التي وضعت استراتيجياتها وخططها وسياساتها.
الورقة الثانية:
حول البحر الأبيض… شرقًا وغربا:
وكانت الساحة الرئيسية على خريطة الحرب الباردة تدور حول البؤرة التي دار حولها التاريخ الإنسان المكتوب، وهي البحر الأبيض وما حوله في كل الاتجاهات: شمالًا وشرقًا وجنوبًا.
ـ إلى الشمال: هناك أوربا الغربية وقد خرجت بلدانها بلا استثناء منهكة من الحرب"فرنسا وإيطاليا مثلًا"، أو مدمرة"ألمانيا وحتى بريطانيا".
ـ إلى الشرق: هناك الخلجان والوديان والصحارى الواقعة من البحر وحتى أقاصي الهند، وهي ما يطلق عليه وصف الشرق الأدنى أحيانا والشرق الأوسط أحيانًا أخرى.
ـ إلى الجنوب: هناك الشواطئ الخضراء وبحار الرمال والغابات حتى قلب أفريقيا.
وهنا موقع العالم العربي في الوسط تمامًا من هذه الرقعة الواسعة. وخارجها كانت بقية العالم بعيدة خصوصًا أن بعض الأقاليم تبدت مصائرها مقررة أو مؤجلة أو معزولة: أمريكا اللاتينية مقررة كمنطقة نفوذ للولايات المتحدة، والصين مؤجلة لأنها ـ الآن ـ فتحت أبوابها للشيوعية، وبلد مثل أستراليا بعيد بالمكان ـ وحتى بالزمان!