? ومثلًا فإنه عندما نشر"أيزنهاور"مذكراته عن سنوات الحرب ـ كان العنوان الذي"اختاروه"لها هو:"حملة صليبية في أوربا""A Crusade in Europe''، وكان المقصود بالعنوان أنها"حرب ضد الجهالة""النازية في تلك الحالة"، لكن الإشارة إلى الحروب الصليبية ـ الدينية ـ الإيمانية ـ كانت لها مقاصد ومعبأة بحمولات."
? وفي مثال آخر ـ فإنه عندما بدأ إعداد"أيزنهاور"للحياة المدنية، كان المنصب الذي"اختير"له هو منصب رئيس جامعة"كولومبيا"وهكذا فإن الرجل الذي خلع سترته العسكرية بنهاية خدمته قائدًا عامًا لقوات الحلفاء، اكتسى بالرداء الجامعي يبدل هندامه ويرتبه للخدمة في البيت الأبيض رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية"وزعيما للعالم الحر كما كان يقال تلك الأيام".
? وحدث فيما بعد وعندما أراد"أيزنهاور"أن يكتب مذكراته عن سنوات رئاسته للولايات المتحدة، أن العنوان الذي"اختاروه"لها كان "شن السلام""Waging Peace"، والعادة أن الحرب هي التي"تشن"، لكن السلام لا"يشن"وإنما يصنع بأسلوب آخر غير شن الحملات"صليبية أو غير صليبية".
لكن تلك كلها كانت إشارات محسوبة متعمدة، تومئ إلى تغيير رئيسي في الأسلحة تنتقل به الحرب من"إطلاق النار"إلى"إطلاق الأفكار".
كان التقدير أن الصراع بين الرأسمالية والشيوعية حتمي، وأن هذا الصراع لا يمكن أن يدور بين الاثنين مباشرة في ميادين قتال، لأنه في تلك الميادين معرض أي لحظة للتصاعد إلى المستوى النووي، وذلك فوق احتمال أي طرف حتى إذا سبق عدوه في حجم ما تكدس داخل ترساناته من رءوس نووية، ذلك أن إمكانية الردع المتبادل بحاملات الرءوس النووية من الصواريخ المتحركة"في أعماق البحر أو أعالي الفضاء"ـ تلغى الفاصل بين النصر والهزيمة بدمار مروع للطرفين، المهزوم فيه قتيل بالكامل والمنتصر ثلاثة أرباع قتيل، وكلا الاحتمالين مستحيل!
وإذن فهو صراع إلى النهاية بغير سلاح ـ وبغير نار!
ثم إنه صراع مزدوج:
? طرفان كل منهما نظرية في ترتيب وإدارة شئون المجتمعات: مواقعها، مواردها، ومستقبلها. ومكمن الخطر أن كل نظرية تطلب التفوق تجسد نفسها ذات الوقت في قوة عظمى، ومؤدى ذلك أن النظريتين في النهاية قوتان نوويتان على طريق صدام.
وفي غيبة القدرة على فرض التفوق بالنار، فإن كل نظرية ليست لديها وسيلة غير أن تعرض ما لديها على الدنيا وعلى الناس باعتباره طريق الخلاص.