ولعل مساءلة النفس بقصد المراجعة والفحص هي النقلة الأولية والضرورية لناحية السلامة، ثم الابتعاد ـ ولو زحفا ـ عن الحافة نقلة بعد نقلة حتى يمكن الوقوف على القدمين بحثًا عن مخرج من حالة الحصار والعودة من جديد إلى مجرى الحياة.
والأمم والشعوب القادرة حين تسائل نفسها لا تفعل ذلك بقصد التفجع والندم فهي تعي أن حركة التاريخ زمان غير قابل للاستعادة حتى يمكن تعديل مساره بأثر رجعي، وهي تعي أيضًا أن حركة التاريخ تتأثر بعناصر لا إرادية، مجملها أن الأمم والشعوب لا تختار مواقعها من الأرض ومواردها، ولا تتحكم في جوارها ومحيطها كي تختار الأكثر أمنًا فيه والأوفر غنىً.
وبالتحديد فإن حركة التاريخ احتكاك مطالب ومصالح، وضغوط مشاق ومصاعب، وتدافع أشواق تطلب الرقى والرفعة، وهي توفر لنفسها حق الاختيار إذا أحسنت التقدير، وتلك بالضبط مهمة السياسة، باعتبارها علم وفن استخدام إرادة المجتمعات في إدارة إمكانيات مواقعها ومواردها وطاقاتها الإنسانية لتحقيق طموحاتها حاضرا ومستقبلا.
وهنا يجيء ما يستحق الوقوف أمامه في ذلك القول المأثور عن الرئيس الأمريكي الأسبق"دوايت أيزنهاور"والذي جمع فيه خلاصة خبرته قائلًا:"إن السياسات الطيبة ليست ضمانا أكيدًا للنجاح، لكن السياسات السيئة ضمان محقق للفشل".
وأمام مناسبات تدعو الأمة إلى التذكر والتفكر، وتفرض إعادة فحص الدفاتر ومراجعة الحسابات ـ فإن مساءلة النفس واردة وربما واجبة:
"كيف وصلنا إلى هنا؟ ـ عن أي طريق؟ ـ ولأي سبب؟"
وتلك الأسئلة في الظروف الراهنة، مشروعة، عاجلة وملحة، وهي تستحق إجابات تقريرية وليست إنشائية، محددة وليست مطلقة، وذلك هو الأسلوب المعتمد في تقدير حسابات الربح والخسارة والمضاهاة حسب تعبير إيزنهاور"بين سياسات طيبة قد لا تضمن النجاح أكيدًا، وسياسات سيئة تضمن الفشل محققا"!
والظاهر للجميع أن"الفشل المحقق"هو النتيجة التي ضمنتها السياسة العربية لنفسها بشهادة ما جرى ويجري اليوم في أفغانستان ـ وفلسطين ـ وغدا حولهما وفي المنطقة الواقعة بينهما من قلب آسيا حتى شرق البحر الأبيض ـ ومعنى ذلك بمرجعية إيزنهاور: أن السياسات العربية كانت سيئة ـ مع اعتبار أن أيزنهاور مرجعية يمكن الاعتماد عليها لأن تجربته كانت بشهادة النتائج ناجحة وكذلك شاملة: