كان الأخضر قادمًا من باريس ليوم واحد في لندن"قضى صباحه في مقر رئاسة الوزارة البريطانية"، وكان على الطريق إلى نيويورك يقدم أول تقرير إلى السكرتير العام للإمم المتحدة ليعرضه على مجلس الأمن.
وتقابلنا في الساعة السابعة بعد الظهر وافترقنا في الحادية عشرة قبل منتصف الليل.
وكان الأخضر ـ وهو رجل بطبيعته متفائل ـ مثقلًا طوال ذلك النهار مهمومًا يتحسب للعمل الذي ينتظره في أفغانستان في مناخ وخضم أزمة خبرها قبل خمس سنوات حين سقطت"حكومة المجاهدين"في كابول، وزحفت"قوات طالبان"تقيم دولتها ـ إمارة المؤمنين ـ هناك!
وقال الأخضر في سياق كلامنا الطويل، إنه عندما كلّف بالمهمة بادئ الأمر كان تكليفه:"تأمين المعونة الإنسانية للسكان الأفغان ـ ثم محاولة إنشاء ائتلاف داخلي بين القوى والزعماء يحكم أفغانستان ولو لمرحلة انتقالية".
وكان تقديره من أول لحطة أن التكليف شبه مستحيل، فهو ـ في الجانب الإنساني ـ من مهمته يعرف حجم"الشح"، في الإمدادات مقابل"وفرة"في عدد المحتاجين ـ وبينهم ستة ملايين لاجئ ـ ومع أنه شديد الثقة في فريقه الذي يعمل معه في هذا المجال على الأرض فعلًا، فإن الأمر يحتاج إلى تخصيص مائتي باخرة، ومائة طائرة، وخمسة آلاف شاحنة تعمل كلها ليل نهار حتى يمكن تجنب"حالة مجاعة"حقيقية وليست مجازية.
وهو يدرك مقدمًا إن مجتمع الدول غير مستعد لمثل ذلك الجهد الكثيف مع وجود احتياجات إنسانية كبيرة للمعونة في مناطق أخرى من العالم غير أفغانستان.
وعلى الجانب السياسي من هذه المهمة فهم يعرف زعماء أفغانستان، ويدرك عمق ما بينهم من أحقاد وثارات، لكنه يصلى عسى أن يكون سنوات طالبان قد علمتهم شيئًا.
وبرغم أثقال هذين التكليفين الإنساني والسياسي، فإنه"الأخضر"وجد أن هناك مهمة أخرى مطلوبة منه وهي:
"العمل على بناء نوع من نظام الدولة في أفغانستان".
وهنا يقول الأخضر:"وجدت أن ما هو مطلوب مني ليس"شبه مستحيل"وإنما هو"المعجزة وزيادة"."
والمعجزة أمامها فرصة ـ فقط ـ إذا أمكن التزام بعض المبادئ:
أولها: إن أي حل للأزمة لا بد أن يكون أفغانيًا، حتى يكتب له الاستمرار بعد توقف النيران.
وثانيها: تقدير أن الدمار الذي حل بأفغانستان دمار ليس له شبيه نعرفه في التاريخ الحديث، فالبلد من الأصل فقير ومعزول، والحرب الأهلية ربع قرن دون توقف لم تترك له شيئًا يبنى عليه.