الصفحة 6 من 13

فهذا جابر بن عبدالله يشتري راحلة، ويسير من المدينة إلى مصر ليسأل عقبة بن عامر عن حديث في ستر المؤمن، لم يبق أحد سواهما سمعه من رسول الله r. ويؤكد له عقبة: أنه سمع رسول الله r يقول: من ستر مؤمنًا في الدنيا على خزيه ستره الله يوم القيامة، فيعود أدراجه لا يلوي على شيء.

وهذا سعيد بن المسيب أحد كبار التابعين يقول: إني كنت لأسافر مسيرة الأيام والليالي في الحديث الواحد [28] .

ورحل شعبة بن الحجاج من أجل إسناد لحديث فضل الوضوء والذكر بعده. فإن أبا إسحاق السبيعي الذي سمع منه شعبة هذا الحديث مُدلِّس. ولم يكشف لشعبة عن حقيقة أمر الإِسناد. وكان شعبة كثير العناية بتتبع المدلِّسين. فرحل تلك الرحلة المضنية، حتى توصل إلى نتيجة مؤسفة هي سقوط رواة من السند، أحدهم مطعون فيه. فلم يملك نفسه أن قال: دمر علَّي هذا الحديث. لو صح لي هذا الحديث، كان أحبَّ إلَّي من أهلي ومن مالي ومن الدنيا كلها [29] .

7 -أثر الإِسناد في نقد الحديث:

وبهذا أصبح الإِسناد للحديث مثل الأساس للبناء. واستقر في الأذهان أنه لا يمكن تصور الحديث بدون الإِسناد، كما لا يمكن أن يتصور البنيان بدون الأساس، والجسم بدون الروح.

فأصبح الحديث عبارة عن جزئين: الإِسناد، والمتن. فإذا كان المتن واحدًا. وله إسنادان، فهما حديثان في اصطلاح المحدثين، والحديث الذي ليس له سند ليس بشيء. ولذلك اشتهر بين المحدثين: أن السند للخبر كالنسب للمرء. وجعله عبدالله بن المبارك من الدين فقال: الإِسناد عندي من الدين، لولا الإِسناد لقال من شاء ما شاء. فإذا قيل له: من حدَّثك ؟ بقي (أي ساكتًا) [30] . فكلما تقدم الزمن، وازداد الخلل، اشتد نظام المراقبة، واشتد نظام الإِسناد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت