وفي رواية أخرى يقول عبدالله: بيننا وبين القوم القوائم يعني الإِسناد [22] .
وقال محمد: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال: قلت لعبدالله ابن المبارك يا أبا عبدالرحمن. الحديث الذي جاء: أن من البِرّ بعد البِّرِ أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك قال: فقال عبدالله: يا أبا إسحاق: عمَّن هذا ؟ قال: قلت له هذا من حديث شهاب بن خراش، فقال: ثقة، عمن قال ؟ قلت: عن الحجاج بن دينار. قال: ثقة، عمن قال ؟ قلت: قال رسول الله r قال يا أبا إسحاق إن بين الحجاج بن دينار، وبين النبي r مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي [23] وعنه أيضًا: مَثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلَّم [24] .
وقال سفيان الثوري: الإِسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن معه سلاح، فبأي شيء يقاتل [25] . وقال الشافعي: مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل يحمل حزمة الحطب، فيها أفعى تلدغه وهو لا يدري.
ويمر الزمن ويستقر في أذهان الأئمة النقاد أن الإِسناد جزء لا يتجزأ من رواية الحديث، وانكبوا يفحصونه، وينظرون فيه بأسلوبهم المعين. قال الحاكم: لولا كثرة طائفة المحدثين على حفظ الأحاديث، لا نْدَرَسَ منار الإِسلام ولتمكن أهل الإِلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث، وقلب الأسانيد [26] .
6 -دور الرحلة في خدمة الإِسناد:
ومن أجل أهمية السند في تلقي السنة الصحيحة، رحل المحدثون المسافات البعيدة، على بعد الشقة، وعظم المشقة، طلبًا للحديث وبحثًا عن أسانيد الأحاديث بل عن إسناد الحديث الواحد.
ويبدو أثر الرحلة للناظر في أسانيد الأحاديث واضحًا جليًا. إذا ما تناولنا أي إسناد منها، ودرسنا تاريخ رواته، نجد في أغلب الأحيان أنهم ينتمون إلى أكثر من موطن. بل ربما وجدنا كل واحد منهم من بلدة، جمعت الرحلة في طلب الحديث شتاتهم، وقربت بُعدَ ما بينهم، حتى تسلسلوا في قرن واحد في سند الحديث الواحد [27] .