الصفحة 22 من 81

وجعل الإسناد من الدين تنبيه إلى دستورية «الإسناد » - لو جاوز التعبير - ، فليس الإسناد عند ابن المبارك مجرد تقليد فني اعتمدته طائفة المحدثين من عنديات فنونهم أو بنيات أفكارهم وقرائحهم ، بل هو نفس هذا الدين أي ناشئ عنه ومعمول به لمقتضى النصوص التي نوهت به وأرشدت إليه وحضت عليه، أو المراد أن الالتزام في نقل النصوص بالإسناد دليل على ديانة الراوي وأنه ليس من أصحاب السمر والقصص والقيل والقال، وأنه باستعماله الإسناد قد انخرط في سلك من يعتمد عليهم من أهل الديانة في تبليغ نصوص الوحي المطهر .

وقد قصد ابن المبارك بالإسناد مطلق الإسناد، سواء كان رجاله ثقات أو غيرهم ، فعبارته تحض على معرفة سند الرواية وحفظ هذا السند وتبليغه مع الرواية بعض النظر عن حال رجال السند، وذلك أن ابن المبارك يُنَظِّرُ مبدأً يسير عليه كل الرواة والنقلة ، وليس مجرد النقاد والخبيرين بمنهج الجرح والتعديل، مما يدل على ذلك قوله في نفس العبارة: «فإذا قيل له: من حدثك؟ بقي» (1) ، أي أنه يجزئه أن يذكر من نقل عنه الرواية وحدثه ليخرج من العهدة جريا على المبدأ المعروف عند المحدثين أن « من أسند فقد أحال » .

وقد ظن الإمام أبو إسحاق الشاطبي أن قول ابن المبارك:"الإسناد من الدين"ليس معناه قول المحدث: حدثني فلان عن فلان مجردا ، بل يريدون ذلك لما تضمنه من معرفة الرجال الذين يحدث عنهم حتى لا يسند عن مجهول ولا مجروح ولا متهم إلا عمن تحصل الثقة بروايته، لأن روح المسألة أن يغلب على الظن من غير ريبة أن ذلك الحديث قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم (2) .

(1) - أي بقي ساكتا مفحما مبهوتا منقطعا. قال الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة: « وهذا أسلوب معروف الاستعمال في محاورات أهل القرن الثاني والثالث والرابع ثم غاب وغمض معناه. انظر: الإسناد من الدين . عبد الفتاح أبو غدة ص53)

(2) - الاعتصام للشاطبي (1/225) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت