وليس ما ظنه الشاطبي بصحيح بل إن ابن المبارك قصد مجرد قول المحدث: حدثني فلان عن فلان، وأن في عناية الراوي بهذا السند ضمانة لمعرفة الصحيح والسقيم.
ومما يدل على ذلك أن الحافظ أبا حاتم الرازي كان في مجلس فقال: « لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار نبيهم وأنساب سلفهم إلا في هذه الأمة ، فقال له رجل: يا أبا حاتم، ربما رووا حديثا لا أصل له ولا يصح ، فقال أبو حاتم: علماؤهم يعرفون الصحيح والسقيم فروايتهم ذلك-أي الحديث الواهي - للمعرفة، ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها » (1)
فأبو حاتم يعتبر حفظ الإسناد ولوكان واهيا سببا لتمكن النقاد بعد ذلك من تمييز الصحيح من السقيم ، وهذا هو لب نظرية الإسناد:لأنه يعتمد الإسناد آلية لنقل النصوص وقالبا يوضع فيه كل الرواة الذين نقلوا النص طبقة عن طبقة ، حتى إذا ما أراد ناقد دراسة هذا النص ومعرفة أصالته أو زيفه استطاع أن يجد المجال الذي يجري فيه نقده وبحثه.
ومما يدل على ذلك أيضا أن ابن المبارك نفسه سئل عن الأحاديث الموضوعة التي يرويها الوضاعون بالأسانيد ، فقال:"تعيش لها الجهابذة" (2) .
فالنقاد هم الذين يتصدرون لتلك الأسانيد الضعيفة والموضوعة ويغربلونها ويعرفون من الذي وضعها أو من الذي أخطأ فيها ، وإذا لم ترو هذه الأسانيد ولم تنقل كما هي فكيف سينقد النقاد ، وما هي الوسيلة إذن لمعرفة الصحيح والسقيم ؟
(1) - المواهب اللدنية للزرقاني (5/454) والأجوبة الفاضلة لعبد الحي اللكنوي ص 24
(2) - رواه الخطيب البغدادي في الكفاية ص 37 وأبو وليد الباجي في التعديل والتجريح (1/291) وذكر السيوطي في تدريب الراوي (1/282) وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (3/53) : « جهبذ بكسر الجيم والباء الموحدة وبالذال المعجمة هو الفائق في تمييز جيد الدراهم من رديئها والجمع جهابذة وهي عجمية وقد تطلق على البارع في العلم استعارة» .