وقد تبين لي باستقراء الاتجاهات العلمية الحديثية أنه عندما ابتدأت نظرية الإسناد في الاندثار رواية ؛ أن المؤلفات في كتب الرجال قد ابتدأت في النشاط والنمو، وصارت جهود المحدثين مصروفة إلى تتبع رجال أسانيد المتقدمين، مما يوحي بأن الأوساط العلمية قد أدركت عقم التعويل على أسانيد المتأخرين ، وأن الأجدى الاقتصار على دراسة ما اشتهر من أسانيد المتقدمين وتسليط جهود الفحص والنقد والتفتيش إليها .
ولا يدل ذلك على بخس لقيمة نظرية الإسناد عند المتأخرين، بل إنهم حافظوا على الإسناد كتقليد علمي مصون لتوثيق المصادر والكتب لكنهم لم يعولوا عليه في نقد النص، فصار التعويل على أسانيد المتقدمين مما أتاح نشوء فترة علمية ازدهرت فيها علوم النقد، وتطور التأليف وتنوع على وجه لم يحدث في أي علم من العلوم الأخرى .
وقد عنى المحدثون بدراسة كل المصنفات التي اعتمدت الرواية بالإسناد وقاموا بتصنيفها على حسب جودة أسانيدها، فاعتمد جمهورهم الكتب الستة -صحيحي البخاري ومسلم وسنن النسائي -المجتبى- وأبي داود والترمذي وابن ماجة، مع مسند أحمد وموطأ مالك وسنن الداري وصحيح ابن خزينة وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم - اعتبروا هذه المصنفات هي الأصول الأصيلة التي جمعت جل المادة الحديثية المروية بأسانيد معتبرة أو قابلة للاعتبار.
ثم قاموا بجمع ما ورد من تراث المتقدمين في نقد الرجال على هيئة معاجم تذكر فيها كل المعلومات المتعلقة بالرواة مثل الكمال في أسماء الرجال لابن ماكولا وثقات العجلي وتهذيب الكمال للمزي ومصنفات الذهبي وابن حجر وقَطْلُوبَغَا في التراجم والرجال مما يعد من مفاخر الحضارة الإسلامية.
ومع ضميمة ذلك وجدت كتب الفهارس التي تعين على معرفة أطراف الحديث وزوائده مثل أطراف المزي والمطالب العالية لابن حجر ومجمع الزوائد للهيثمي.