وقد ذهب الذهبي إلى انتهاء عصر الجرح بانتهاء المتقدمين، واعتبر الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس الثلاثمائة (1) . فما بعد عام 300 هـ يعتبر عند الذهبي من المتأخرين، ولا يدخل فيما يجب معرفته فيه من جرح وتعديل على الوجه المطلوب في المتقدمين، وما ذلك إلا لانتهاء عصر الرواية في تلك الفترة غالبا، وصار من يصنف إنما يعول على رواية كتب بإسناده إليها، وأمن تخليطه فيما يروِي لاعتماده على نص مدون مشهور معروف متداول .
ولكن هذا لا يعني أن المحدثين تخلوا عن نظرية الإسناد في تلك الفترة التي حدها الذهبي فاصلا بين المتقدمين والمتأخرين، بل باستقراء عصر ابن الصلاح نفسه- الذي نقلنا كلامه آنفا -وجدنا أنه ما زال هناك البعض ممن يعتبرون الإسناد في رواية الحديث، ومنهم الحافظ ضياء الدين المقدسي صاحب الأحاديث المختارة، (2) فإنه ألف كتابه في استدراك الأحاديث الصحيحة التي ليست في الصحيحين، ومعلوم أنه كان يعتبر إسناده في رواية تلك الأحاديث.
ويمكننا أن نعتبر الحافظ ضياء الدين المقدسي من آخر المصنفين للكتب على طريقة الإسناد، بمعنى أنه وضع مصنفه في الأحاديث كاملا على وفق نظرية الإسناد رواية وتطبيقا -نقدا- ويكون منتصف القرن السابع الهجري هو آخر عهد الإسناد.
وهذا لا يفيد نفي وجود الأحاديث أو الآثار المسندة في بطون المصنفات، فإنه وجدت الأحاديث المسندة في بطون كتب الرجال والفقه والتاريخ والأجزاء الحديثية الصغيرة، ولكن التصنيف لم يأت على هيئة الإسناد وعلى وفق نظريته في كامل الكتاب إلا كما في كتاب ضياء الدين المقدسي.
(1) - ميزان الاعتدال. الحافظ الذهبي . (1/115)
(2) - هو الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي واسم كتابه"الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين أو أحدهما"مرتب على حروف المعجم ولم يكمله توفي عام 643هج وهي السنة التي توفي فيها ابن الصلاح.