ويبين ذلك في موضع آخر قائلا:"أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه، فلم يتقيدوا بها في رواياتهم لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم ، وكان عليه ما تقدم ،ووجه ذلك ما قدمناه في أول كتابنا هذا من كون المقصود المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد، والمحاذرة من انقطاع سلسلتها ، فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض على تجرده ، وليُكْتَفَ في أهليه الشيخ بكونه مسلما بالغا عاقلا غير متظاهر بالفسق والسخف ،وفي ضبطه بوجود سماعه مثبتا بخط غير متهم ، وروايته من أصل موافق لأصل شيخه، وقد سبق إلى نحو ما ذكرنا الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى، فإنه ذكر فيما رويناه عنه توسُّعَ مَنْ توسَّعَ في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم ولا تحسنون قراءته من كتبهم ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، ووجه ذلك بأن الأحاديث التي قد صحت أو وقعت بين الصحة والسقم قد دُونت وكُتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث ، ولا يجوز أن يذهب شئ منها على جميعهم ، وإن جاز أن يذهب على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها، قال البيهقي: ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره ، والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلا بحدثنا وأخبرنا، وتبقى الكرامة التي خصت بها الأمة شرفا لنبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم" (1) .
(1) - علوم الحديث لابن الصلاح ص 132