فمن ذلك قصة عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه- فإنه كان في أول شبابه كثير العبادة، فشق على نفسه، فكان يصوم النهار كله، كل الدهر، وكان يصلي الليل كله، ويختم القرآن في كل ليلة في تهجده، فهذا فيه غلو، وفيه مشقة، وفيه تعب يؤدي إلى أنه يفوت عليه حقوقا واجبة؛ فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذا غلو، وقال:"إن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لجسدك عليك حقا، وإن لربك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه" (1) . فالزيادة -لا شك- تمل الإنسان من العبادة، وتُضجره.
وهناك آخرون لا يعرفون مثل هذه العبادات ولو كانت نوافل؛ فلا يصلي أحدهم في الليل أصلا، ولا يصوم إلا ما فرض عليه، ولا يأتي بشيء من النوافل، ولا يتقرب بشيء من القربات وكأنه غافل، أو مستغن عن هذه العبادات ونحوها!
ولا شك أن الذي كلف نفسه وشق عليها، متطرف شديد التطرف، والذي تساهل في العبادات، ولم يأتِ بشيء من العبادات المسنونة، ولم يتقرب بشيء من نوافلها، هو أيضا متطرف غاية التطرف.
ودين الإسلام وسط، وهو أن تتقرب إلى الله بقربات لا تكلف نفسك، ولا تحرم نفسك حقها. فلا تنسى عبادة الله، ولا تشتغل بالملذات وبالشهوات عن حق الله، ولا تعطي نفسك كل ما تشتهي من لذة ونوم، وشهوة بطن، وشهوة فرج؛ فهذا فيه أيضا إفراط وتفريط.
"توسّط الإسلام في أمور العادات":
ولك أن تقيس أيها الأخ على ذلك كل شيء حتى الأمور العادية، مثل أمور المأكل والمشرب والملبس وما أشبه ذلك، فإن الإسلام جاء فيها بالوسط وهنا نأتي ببعض الأمثلة المختصرة لتوضيح هذا الأمر فمن ذلك:
1-في باب اللباس:
(1) أخرجه مسلم برقم (1159) ، عن عبد الله بن عمرو بعدة ألفاظ، كما أخرجه أحمد (2 194) .