مما لا شكّ فيه أن الرواد الأوائل الذين صوّبوا وجهتهم إلى البلاد المكتشفة الجديدة كان يحدوهم لذلك هو المال والثراء، وتجمّع الناس فيها لأنّها البلاد المكتنزة بالمال والثراء والجمال، فكان العامل الذي تكوّنت فيه هذه الولايات هو العامل الاقتصادي، بل وقامت الصراعات في داخل هذا العالم الجديد على أساس الثروة والاقتصاد، ولذلك حاول الرؤساء الأوائل تجنيب أمريكا الخوض فيما يحدث في العالم من حولهم انشغالًا بما هم فيه، مصرّون على أن لا يكوِّنوا أيّ علاقة حميمة وخاصّة مع أيّ دولة من الدول أو أمّة من الأمم حتى الدول التي جاؤوا منها وأصولهم تنتهي إليها.
وبقي هذا الأمر حتّى خلال الحرب العالمية الأولى، فبعد أن اندلعت الحرب سنة (1914م) عزم الرئيس"ويلسون"على عدم التورّط فيها، مع أنّ بعض المصالح الأمريكية قد تعرّضت لبعض الإيذاء من قبل الألمان، ففي عام (1915م) أغرقت غواصة ألمانية الباخرة الإنجليزية"لوسيتانا"دون سابق إنذار كما يزعمون، وغرق فيها ألف شخص بينهم (128) أمريكيًّا، ثمّ تلاها في سنة (1916م) إغراق الباخرة الأمريكية"سسكس"ولم يزد ويلسون سوى الاحتجاج ثمّ إنشاء حوار سياسي بينه وبين الألمان، انتهى إلى توقيع صفقة مع ألمانيا على عدم التعرض لمصالح أمريكا.
وعندما أراد"ويلسون"أن يرشّح نفسه مرّة ثانية سنة (1916م) لم يكن له من شعار يجذب إليه الناخب الأمريكي سوى أنّه الرجل الذي استطاع أن يجنّب أمريكا الدخول في الحرب، مع أنّ الجمهوريين اليمينيين الذين رشّحوا يومها"تشارلز إينانس هجز"هاجموه ووصفوه بالجبن والتردد في تعامله مع الألمان، إلا أنّ تيار المصالح كان الأعلى والأقوى واندحر اليمين فتمّ انتخاب"ويلسون"مرّة ثانية.
هذه السياسة هي التي أرادها الرواد الأوائل من أهل الثراء والمال والذين كانوا يحكمون الإدارة السياسية في أمريكا، وقد عبّر عن هذه السياسة خطاب جورج واشنطن سنة (1796م) في وداعه لمنصب الرئاسة قائلًا: (إنّ على الأمة الجديدة - أي أمريكا - أن تسعى إلى بناء علاقات دولية مع الجميع، وعليها أن تبتعد عن إقامة أي علاقة حميمة مع أيّ أمّة أخرى، وعلى هذه الأمّة أن تجتنب أن تحمل أي كراهة مفرطة ضد أيّ أمة أخرى، وعليها أن ترعى قيام علاقات سلام وانسجام مع الجميع) .