كان هذا موقف من يتصدى لنقد الفكر الحديث دون فهم موقفه من القضية. وهناك نوع آخر من علمائنا يدركون موقف الفكر الحديث من قضية الدين ، ولكنه لشدة تأثرهم بالفكر الحديث يرون أن كل ما توصل إليه أئمة الغرب يعد من (المسلمات العلمية) ، ومن ثم تقتصر بطولتهم على إثبات أن هذه النظريات التى سلم بها علماء الغرب هى نفس ما ورد في القرآن الكريم وكتب الأحاديث الأخرى. وهذه الطريقة في التطبيق والتوفيق بين الإسلام وغيره هى نفس الطريقة التى تتبعها شعوب الحضارات المقهورة تجاه الحضارات القاهرة. وأية نظرية تقدم على هذا النحو يمكنها أن تكون تابعة ولكنها لا يمكن أن تكون رائدة! ولو خيل إلى أحدنا أنه يستطيع أن يغير مجال الفكر في العالم بمثل هذه المحاولات التوفيقية ليشرق على البشرية نور الحق فهو هائم ولا شك في عالم خيالي لا يمت إلى الحقائق بسبب. .فإن تغيير الأفكار والمعتقدات لا يأتي من طريق التلفيق ، بل عن طريق الثورة الفكرية.
وهذه الحالة تورطنا بصورة أكبر عندما تتعلق المسألة بجانب أساسي وهام من أفكار الدين ، فلا بأس بأن يقوم أحدنا بتفسير جديد لظاهرة (الشهاب الثاقب) التي وردت في القرآن حين يجد كشفا جديدا في علم الفلك الحديث ولكننا لو قبلنا نظرية كلية شاملة وذات علاقة بالمشكلات الأخرى التى تثار حول الدين فسوف يكون لذلك تأثير عميق وكلى في هيكل الفلسفة الدينية نفسه.
وأوضح مثال في هذا هو تلك الجماعة من علمائنا الذين قبلوا (نظرية النشوء والارتقاء) لأن علماء الغرب أعلنوا اقتناعهم الكامل بصدقها بعد دراستهم ومشاهدتهم. . واضطروا بناء على هذا إلى تفسير جديد للإسلام في ضوء النظرية الجديدة ، وحين احتاجوا إلى لباس جديد قاموا بتفصيل ثوب الإسلام مرة أخرى ولكنه ثوب مشوه المعالم لا أثر فيه من روح الإسلام التي ضاعت مع الأجزاء المقطعة في عملية التلفيق الجديدة.