الصفحة 39 من 52

لكن جاك بيرك يصر على استئصال شواهده من سياقها القرآني فيأخذ في تشريحها متحاملا على القارئ، ليجعله يُسَلم بما يقول، فأنى لنا تصديقه؟ وفي زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثبت أنه قرأ قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} [التوبة: 100] بدون واو صفة للأنصار في (( الذين اتبعوهم ) )حتى قال له زيد بن ثابت إنها بالواو، فقال: ائتوني بأُبَي فقال: تصديق ذلك في كتاب الله في أول الجمعة ... وروي أنه سمع رجلا يقرؤه بالواو، فقال: من أقرأك؟ فقال: أُبي، فدعاه فقال: أقرأنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم )) [1] .

مما يدل على أن حرفًا واحدًا يظل مجال أَخْذ ورد، حتى تتضح حقيقته فيؤخذ بها، فكيف يمكننا تصديق جاك بيرك بأنَّ التكرار في القرآن أفضى إلى خلخلة انسجامه وجعل بنياته مشبكة. إن كل تكرار في القرآن لا يخلو من دلالة، يقول تعالى في سورة الأنفال {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7] .

الشاهد هنا كلمة (( لكم ) )المكررة فالمراد يختلف وإن كررت هذه الوحدة المعجمية، ذلك أن الأولى تمييز بين الإرادتين والثانية بيان لغرضه فيهما من اختيار ذات الشوكة أي: الحرب على غيرها، وأنه ما نصرهم

(1) أبو حيان الأندلسي، تفسير البحر المحيط ج 5/ 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت