الصفحة 23 من 52

وصدق العلي العظيم حين قال: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: 28] وقد جهل جاك بيرك أو تجاهل أن على رأس البنود المسطرة للترجمة الجيدة إظهار المعرفة الجيدة للمعنى. وهذا سورينيان يقول: (( وقبل الشروع في الترجمة لامناص من الفهم الأمين للنص وتحسسه تحسسا كليا أو جزئيا ) )الفهم أولا إذن وقبل كل شيء؛ لأن الذي يترجم لا يترجم من أجل أن يفهم بل من أجل أن يُفْهِم -بضم الياء- لأنه قد فهم قبل أن يترجم.

فأين صاحبنا من هذا؟ وإن كانت هذه الترجمات ثمرات فهمه لمضمون القول القرآني، فإن هذا الصنيعَ يحملنا على القول وبكل اطمئنان أن العبارة القرآنية براء مما يدَّعي ويفهم، وأنها على الحقيقة في واد، وفهم بيرك وترجمته في وادٍ آخر، ناهيك عن أن النصوص العربية -خاصة- تفقد مواطن الجمال فيها حينما تترجم إلى أي لغة أخرى، وهذا ما حمل أبا عثمان الجاحظ على أن يقول عن المترجم إذا أراد أن يترجم كتابا لحكيم من الحكماء: (( إنه لا يؤدي ما قاله الحكيم على خصائص معانيه وخفيات حدوده، إلا أن يكون في العلم بمعانيه وتأويلات مخارجها مثل مؤلف الكتاب وواضعه. ومتى وجدناه قد تكلم بلسانين علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما، وكلما كان الباب من العلم أعسر، والعلماء به أقل كان أشد على المترجم وأجدر أن يخطئ فيه ) ) [1] .

وعليه فإدراكه غير الموفق لمعنى (( أم القرآن ) )أفسد تأويله، لنجادله

(1) الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر كتاب الحيوان تحقيق محمد عبد السلام هارون 1/ 77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت