واستبعد تقي الدين السبكي القول الثاني، ورجح التاج السبكي الأول, واختاره الزركشي في «البحر» ، قال:"والمختار الأول بدليل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «أربع لا تجزئ في الضحايا» [1] مع أن الأضحية سنة، وكذا قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عناق أبي بردة: «يجزئك ولن يجزئ عن أحد بعدك» وإن كانت الأضحية ليست بواجبة، واستدل بهما من قال: «بوجوب الأضحية، وأنكر عليه» [2] ."
وينبغي أن يعلم أن الذين استدلوا على «وجوب الأضحية» بحديث أبي بردة بن نيار إنما تقررت المسألة الأصولية عندهم أولًا, وهي: أن الإجزاء إنما توصف به الواجبات فقط، ثم طبقوا القاعدة بعد ثبوتها عندهم على هذا الحديث، فاستدلوا بالقاعدة على تفسير الحديث, وبيان حكم الأضحية في ضوء القاعدة، أمَّا أصحاب القول الأول, فإنهم استدلوا بالحديث على القاعدة بعد أن تقرر لديهم حكم الضحية: «بأنها سنة» .
فالحديث أصل للقاعدة على القول الأول، وجزئي من الجزئيات المندرجة تحت موضوعها على القول الثاني. والله تعالى أعلم.
(1) أخرجه ابن ماجه في سننه:"ك: الأضاحي""ب: ما يكره أن يضحى به" (3144) وأخرجه أحمد في «المسند» مسند البراء بن عازب (18039) , وأخرج الدارمي في سننه:"ك: الأضاحي""ب: مالا يجوز في الأضاحي" (1950) .
(2) «الإبهاج شرح المنهاج» : (1/ 73) , و «البحر المحيط» : (2/ 23) ، «تشنيف المسامع» : (1/ 184) ، و «الغيث الهامع شرح جمع الجوامع» لولي الدين العراقي: (1/ 38 - 39) ، «شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع» : (1/ 139 - 146) .