فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 66

المطلب الثالث

وصف العبادة مطلقًا بالإجزاء

اختلف الأصوليون في شمول الإجزاء للواجب, والمندوب, وعدمه على قولين:

القول الأول: إن الإجزاء يوصف به الواجب, والمندوب.

وهذا قول جمهور الأصوليين [1] , ونسبه ابن السبكي إلى الفقهاء، قال:"وكلام الفقهاء يقتضي أن المندوب يوصف بالإجزاء كالفرض"، ورد هذه النسبة الزركشي ـ كما سيأتي بعد قليل ـ [2] .

واستدل القائلون بهذا القول بحديث أبي بردة بن نيار: «أربع لا تجزئ في الأضاحي» .

ووجه الدلالة: إنه قد ثبتت بأدلة غير هذا أن الأضاحي من السنن, وليست واجبة، وقد وصفها في هذا الحديث بالإجزاء، فدلَّ ذلك على أن المندوبات توصف الإجزاء، وهو المطلوب.

القول الثاني: إنه يختص بالواجب، فلا يقال في «المندوب» : إنه مجزئ أو غير مجزئ.

وهذا القول نصره الأصفهاني في «شرح المحصول» , والقرافي في «شرح التنقيح» . قال الأصفهاني:"لا يقال في العبادات المندوب إليها: إنها مجزئة أو غير مجزئة»، نعم إذا تعلق الخطاب الموجب لأمر على المكلف, وذلك الفعل أمكن وقوعه على وجه لا يترتب عليه حكمه، كـ «الصوم» و «الصلاة» و «الحج» ، فإنه يقال في مثل هذه الصورة:"الفعل مجزئ أو غير مجزئ"."

وقال القرافي:"نوافل العبادات توصف بالصحة دون الإجزاء، إنما يوصف بالإجزاء ما هو واجب" [3] .

وهو مقتضى قول الفقهاء فيما نقله عنهم الزركشي في «التشنيف» ، حيث رد على ابن السبكي نسبة القول الأول إلى الفقهاء، ثم حرر هو النقل عنهم، قال: وفيما نقله عن الفقهاء نظر، وقد احتج أصحابنا على إيجاب الفاتحة برواية الدارقطني: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن» [4] , وقالوا: إنه أدل على الوجوب من رواية الصحيحين: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» [5] , وكذا احتجاجهم على «إيجاب الاستنجاء» بحديث: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط, فليذهب معه بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه» [6] ، قالوا:"والإجزاء لا يكون إلا عن واجب" [7] .

(1) «الإبهاج شرح المنهاج» : (1/ 73) ، و «البحر المحيط» : (2/ 23) ، «تشنيف المسامع» : (1/ 184) , «الغيث الهامع شرح جمع الجوامع» لولي الدين العراقي: (1/ 38 - 39) ، «شرح الكوكب المنير» : (147) ، «شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع» (عطار) : (1/ 139 - 146) .

(2) «الإبهاج شرح المنهاج» : (1/ 73) .

(3) «الكاشف عن المحصول» : (1/ 283) .

(4) أخرجه الدارقطني: (1/ 323) .

(5) أخرجه البخاري في"ك: الآذان""ب، وجوب القراءة للإمام والمأموم" (756) , ومسلم في"ك: الصلاة""ب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة" (349) .

(6) أخرحه أبو داود في"ك: الطهارة""ب: الاستنجاء بالحجارة" (40) , والدارمي في"ك: الطهارة""ب: الاستطابة" (670) , وأحمد في «مسنده» عن عائشة (24491) .

(7) «تشنيف المسامع» : (1/ 185) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت