المطلب الرابع
اقتضاء الحكم بالفساد عدم الإجزاء
المسألة لها صلة بمسائل متعددة منها:
-اقتضاء النهي الفساد، إذ الفساد قد يكون ناشئًا من فعل منهي عنه أيًّا كان وجهه، كصلاة الحائض، والصلاة في الأوقات المكروهة، والأماكن المنهي عنها، وعامة البيوع المنهي عنها، وكصيام يوم العيد، وغير ذلك.
فإذا قلنا: باقتضاء النهي الفساد إمَّا مطلقًا (في العبادات, والمعاملات، كان النهي لذات المنهي عنه، أو لأمر خارج لازم أو غير لازم) أو في صور معينة، فهل يقتضي ذلك عدم الإجزاء؟
أو كان الفساد ناشئًا من ترك ركن من الأركان، أو شرط من الشروط، أو من عدم تحقق سبب من الأسباب.
-وعلى كل, فهل يدخل معنا في المسألة ما حكم فيه بالكراهة، أو إن الأمر قاصر على ما حكم فيه بالحرمة فقط؟
-وأيضًا فإنه من المهم تحديد المراد بالفساد، هل هو «الفساد» في مصطلح الجمهور أو في مصطلح الحنفية؟ وتناول المسألة إنما يكون من هذه الجهة المذكورة - وهي اقتضاء النهي للفساد من كونه يقتضي عدم الإجزاء - وقد فسر الرازي وغيره من الأصوليين: «الفساد بعدم الإجزاء» .
ومقصود العلماء بقولهم «إن الفساد يقتضي عدم الإجزاء» : إنه إذا أطلق في العبادات أريد به ذلك، وأمَّا إذا أطلق الفساد في المعاملات, فإنه يراد به عدم ترتب آثار المعقود عليه من اللزوم, وانتقال الملك, وصحة التصرف.
قال الفخر الرازي:"ذهب أكثر الفقهاء إلى أن النهي لا يفيد الفساد", وقال بعض أصحابنا:"إنه يفيده"، وقال أبو الحسين البصري [1] :"إنه يفيد الفساد في العبادات لا في المعاملات", وهو المختار.
قال:"والمراد من كون العبادة فاسدة أنه لا يحصل الإجزاء بها" [2] .
وقال بعد ذلك بقليل:"والفساد معناه عدم الإجزاء" [3] .
وقال:"وأما المعاملات, فالمراد من قولنا هذا البيع فاسد: أنه لا يفيد الملك" [4] .
وقال الزركشي: «الفساد» إذا أطلق في العبادات أريد به عدم الإجزاء، وإذا أطلق في المعاملات أريد به عدم ترتب آثار المعقود عليها من اللزوم, وانتقال الملك, وصحة التصرف, وغير ذلك من الأحكام.
وعلى هذا, فإذا قيل: النهي يقتضي الفساد, ويدل عليه. معناه: أن المنهي عنه إذا قدر وقوعه لا يجزئ في نفسه إن كان عبادة، ولا يترتب عليه حكمه إن كان معاملة, وإذا قيل: لا يدل على الفساد, فإن أريد به أن النهي يقتضي صحة المنهي عنه,
(1) محمد بن عبد الله بن الحسن العلامة أبو الحسين البصري المعروف بابن اللبان القرضي, سمع سنن أبي داود على ابن داسة، توفي في ربيع الأول سنة اثنتين وأربعمائة, ومن تصانيفه في الفرائض: «كتاب الإيجار» . (سير أعلام النبلاء: 17/ 587, وطبقات ابن قاضي شهبة: 1/ 192 - 193) .
(2) «المحصول» : (2/ 486) .
(3) «المحصول» : (2/ 488) .
(4) «المحصول» : (2/ 492) .