الدليل الرابع: إن الأصلين المذكورين متعارضان، وهذا بدوره يقضي برجحان الأصل الأول، فإن الأول: يقضي بأنه لا يصح, ووقع المشروط بدون شرطه بإطلاق، والثاني: يقضي بأنه صحيح عند بعض العلماء, وربما صح باتفاق كما في مسألة العفو قبل الزهوق - وستأتي -, ولا يمكن أن يصح الأصلان معًا بإطلاق, والمعلوم صحة الأصل الأول [1] .
الدليل الخامس: إن توقف السبب على الشرط مانع من وقوع مسببه بدون وقوع الشرط، وبذلك يعلم أن حضور السبب بمجرده غير مؤثر إلا أن يحضر الشرط, فينتهض السبب عند ذلك في اقتضائه [2] .
القول الثاني: إن الحكم إذا حضر سببه, وتوقف حصول مسببه على شرط, فتخلف هذا الشرط أو لم يحصل حكم بوقوع المسبب.
وهذا القول معزو إلى المالكية كما بيَّن ذلك الشاطبي، ويشهد لذلك كثير من فروعهم.
واستدل القائل بهذا القول بما يلي:
الدليل الأول: إن شأن السبب أن يستقل بثبوت مسببه دون غيره، والسبب يؤثر بطرفي الوجود, والعدم كما بيَّن ذلك الأصوليون في تعريفه، فلو لم يؤثر في حالة وجوده لا يكون سببًا [3] .
الدليل الثاني: إن السبب أقوى من الشرط؛ إذ السبب يؤثر موجودًا ومعدومًا، والشرط لا يؤثر إلا في حالة العدم فقط، فإذا توقف السبب على حصول شرط، فيتجاذب أمران: الأول: اقتضاء السبب، والثاني: تخلف الشرط، فيراعى السبب, وهو مقتض لمسببه؛ لأنه الأقوى, ولا يراعى توقفه على الشرط؛ لأنه أضعف.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف: إنه يوجد في هذه المسألة أمران متعارضان: أحدهما: اقتضاء السبب، والثاني: تخلف الشرط، فمن راعى السبب, وهو مقتض لمسببه غلب اقتضاؤه, ولم يراع توقفه على الشرط، ومن راعى الشرط, وإن توقف السبب عليه مانع من وقوع مسببه لم يراع حضور السبب بمجرده إلا أن يحضر الشرط, فينتهض السبب عند ذلك في اقتضائه [4] كما بينت ذلك في دليلهم.
ويمثلون ذلك بأمثلة منها:
-إن حصول النصاب سبب في وجود الزكاة، ودوران الحول شرطه, ويجوز تقديمها قبل الحول على الخلاف [5] .
-واليمين سبب في الكفارة, والحنث شرطها, ويجوز تقديمها قبل الحنث على أحد القولين [6] .
-وإنفاذ المقاتل سبب في القصاص أو الدِّية, والزهوق شرط, ويجوز العفو قبل الزهوق, وبعد السبب, ولم يحكوا في هذه الصورة خلافًا [7] .
(1) «الموافقات» : (1/ 268) .
(2) «الموافقات» : (1/ 268) .
(3) «الموافقات» : (1/ 269) .
(4) «أنوار البروق» : (1/ 197) ، «الموافقات» : (1/ 268) .
(5) «أنوار البروق» : (1/ 198) ، «الموافقات» : (1/ 268) .
(6) «أنوار البروق» : (1/ 197) ، «الموافقات» : (1/ 268) .
(7) «الموافقات» : (1/ 269،270) .