وذكر الزركشي أن هذا المذهب حكاه القاضي عبد الوهاب في «الملخص» ثم قال:"وليس هذا في الحقيقة مذهبًا آخر؛ لأن لا نقول بالإجزاء على أي أمر وقع، وإنما يجزئ إذا وقع على الوجه المعتبر" [1] .
المطلب الثاني
صحة وقوع المسبب دون السبب المتوقف على شرط الإجزاء
توضيح ذلك أن الشرط المتوقف على تأثير السبب قد يكون شرطًا في الكمال، وقد يكون شرطًا في الإجزاء، فإن كان شرط في الأول، فلا يمكن الحكم بالكمال دون حصول شرط التأثير, وهو تحصيل شرط الكمال، وإن كان شرط في الثاني، فلا يمكن الحكم بالإجزاء دون حصول شرطه كذلك, والكلام هنا في الثاني، لكن أدلة المسألة واحدة.
وقد عرض لهذه القاعدة الإمام الشاطبي [2] في «الموافقات» , وأقام الأدلة عليها، وبيَّن أن ثمة أصل آخر كـ «المعارض له» , وعزي إلى المالكية بناء على كثير من الفروع عندهم، وهو أن الحكم إذا حضر سببه, وتوقف حصول مسببه على شرط, فهل يصح وقوعه بدون شرط أم لا؟ قولان [3] .
وقد حكى القرافي الخلاف في المسألة في «الفروق» بعد تحرير محل النزاع، ورأى من المهم إثباته منه، إذ اعتماد الشاطبي في «الموافقات» على ما أورده من أمثلة، وإن وجهها توجيهًا مناسبًا للأصل الذي قرره [4] .
قال القرافي: «الحكم» إن كان له سبب وشرط, فله ثلاث أحوال:
الحالة الأولى: أن يتقدم على سببه وشرطه, فلا يعتبر إجماعًا.
الحالة الثانية: أن يتأخر إيقاعه عن سببه وشرطه, فيعتبر إجماعًا.
الحالة الثالثة: أن يتوسط بينهما, فيختلف العلماء في كثير من صوره, وعدم اعتباره [5] .
قال الشاطبي: وربما أطلق بعضهم جريان الخلاف في هذا الأصل مطلقًا [6] .
فتلخص في المسألة قولان:
القول الأول: إن السبب إذا كان متوقف التأثير على شرط الإجزاء, فلا يصح أن يقع المسبب دونه.
واعتبره الشاطبي أصلًا واضحًا لا يحتاج إلى الإطناب فيه, ولم يحمله على إقامة الأدلة عليه إلا ما حكي عن المالكية, ونقله القرافي.
(1) «البحر المحيط» : (3/ 339) .
(2) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق اللخمي الغرناطي، الأصولي الفقيه المالكي صاحب المصنفات الفريدة, ولد سنة , له «الموافقات في أصول الشريعة» الذي لم يؤلف مثله لا قبله ولا بعده، و «الاعتصام» ، وغيرها، وتوفي سنة 790هـ. ( «طبقات الأصوليين» :(2/ 204) ، و «نيل الابتهاج بتطريز الديباج» للتنبكتي: (ص:45 - 50 ) ) .
(3) «الموافقات» : (1/ 268) .
(4) ما أورده الشاطبي في هذه المسألة اعتمد فيه على الأمثلة التي ذكرها القرافي في «الفروق» ، وأجاب عنها على وفق ما رجحه, وهو ما يتسق مع قاعدته المذكورة.
(5) «أنوار البروق» للقرافي: (1/ 198) .
(6) «الموافقات» : (1/ 268) .