الدليل السادس: إن فعل المأمور به على الوجه المطلوب لولم يقتضي الإجزاء لكان يجوز أن يقول السيد لعبده: افعل, وإذا فعلت لا يجزئ عنك, ولو قال ذلك لعد متناقضًا [1] .
القول الثاني: إن الأمر لا يقتضي الإجزاء, ولا يمتنع وجوب القضاء مع حصول الامتثال.
وهو قول الباقلاني، وهذا المذهب نسبه إمام الحرمين إلى المستطرفين في علم الأصول من الفقهاء، قال ابن قدامة:"وهو قول بعض المتكلمين"، وصرح الزركشي به, وهو القاضي عبد الجبار، وراد ابن السبكي معه أبا هاشم [2] .
واستدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:
الدليل الأول: إن كثيرًا من العبادات أمر الإنسان بفعلها ثم لم تجزئه كـ «المضي في الحج الفاسد» ، و «الإمساك في يوم ظن أنه في يوم من شعبان, فبان أنه من رمضان» ، و «الصلاة بغير طهارة عند عدم الماء والتراب» ، فدلَّ على أن «الإجزاء» يقف على دليل آخر [3] .
الدليل الثاني: إن الأمر لا يدل على أكثر من اقتضاء المأمور به, وطلبه لا غير، وأمَّا «الإجزاء» و «سقوط الفرض» , فهو: أمر زائد لا يدل اللفظ, ولا يقتضيه، فافتقر ذلك إلى دليل آخر.
وهذا الدليل يفتقر إلى دليل على المقدمة الأولى فيه, فبينها الرازي بقوله:"أحدها أن النهي لا يدل على الفساد بمجرده, فالأمر وجب أن لا يدل على الإجزاء بمجرده" [4] .
القول الثالث: إن الأمر موقوف على ما يثبته الدليل.
قال في «البحر» : ذكره الشيخ أبو حامد الإسفراييني [5] ، وسليم الرازي, ونسباه للأشعرية, قال سليم:"وهو قريب من مذهب المعتزلة" [6] .
القول الرابع: إن الأمر يقتضي «الإجزاء» من حيث عرف الشرع، ولا يقتضيه من حيث وضع اللغة.
قال في «البحر» [7] : حكاه في المصادر عن الشريف المرتضي [8] .
القول الخامس: إن ما يقع على الشروط المعتبرة، كالصلاة المؤداة بشروطها وأركانها, فهو موصوف بالإجزاء، وأن ما يدخله ضرب من الخلل إمَّا من جهة المكلف أو غيره كما لو وطء في الحج والصوم, فلا يدل على الإجزاء.
(1) «المحصول» للإمام الرازي: (2/ 216 - 217) .
(2) «البرهان» : (1/ 182) ، «روضة الناظر» : (205) ، و «الإبهاج» : (1/ 187) ، و «البحر المحيط» : (3/ 340 - 341) ، «غاية الوصول» (في المبادئ والمقدمات) لأستاذنا د. جلال الدين عبد الرحمن: (ص:344) .
(3) «التبصرة» : (86) ، و «المحصول» للرازي: (2/ 418) ، و «الإحكام في أصول الأحكام» : (2/ 196) ، و «روضة الناظر» : (205) .
(4) «التبصرة» : (86) ، و «المحصول» للرازي: (2/ 417) ، و «الإحكام في أصول الأحكام» : (2/ 179) ، و «روضة الناظر» : (205) .
(5) هو الإمام أحمد بن أبي طاهر محمد بن أحمد الإسفراييني، أبو حامد شيخ الشافعية ببغداد، ولد سنة أربع وأربعين وثلاثمائة, تفقه على أبي الحسن بن المرزبان، وأبي القاسم إداركي, وسمع «السنن» من الدارقطني، حدث عنه الماوردي, والفقيه سليم الرازي، وآخرون، قال الخطيب:"مات أبو حامد في شوال، سنة ست وأربعمائة". (سير أعلام النبلاء: 19/ 588) .
(6) «البحر المحيط» : (3/ 338 - 339) .
(7) «البحر المحيط» : 3/ 339).
(8) العلامة الشريف المرتضى، نقيب العلوية أبو طالب، علي بن الحسين بن موسى البغدادي، من ولد موسى الكاظم، ولد سنة 355هـ، له: «كتاب الشافي» في الإمامة، و «الذخيرة» في الأصول، و «كتاب في إبطال القياس» ، وأشياء كثيرة, وكان من الأذكياء المتبحرين في الكلام والاعتزال، والأدب والشعر, لكنه إمامي جلد، توفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة. (سير أعلام النبلاء: 17/ 588) .