فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 66

وجه الدلالة: إن في الأحاديث الواردة بهذا المعنى دلالة على أن الإجزاء بفعل المأمور به كان مقررًا عندهم في الشرع، حتى جعله نظيرًا لما سألت عنه الخثعمية، تقريبًا للفهم، ثم أخبر أن دين الله يجب قضاؤه، كما يجب قضاء دين الآدمي، فيلزم فيه من الإجزاء ما لزم في دين الآدمي [1] .

الدليل الثاني: أنه لو لم يكن الامتثال موجبًا للإجزاء لكان الأمر بعد الامتثال مقتضيًا إمَّا لذلك المأتي به, ويلزم تحصيل الحاصل أو لغيره, ويلزم ألا يكون الإتيان به بتمام المأمور به بل ببعضه, والفرض خلافه.

وفصل الرازي, فقال:"وإنما قلنا: إنه يلزم أن يخرج عن العهدة؛ لأنه لو بقي الأمر بعد ذلك, لبقي إمَّا متناولًا لذلك المأتي به أو لغيره، والأول باطل؛ لأن الحاصل لا يمكن تحصيله، والثاني باطل؛ لأنه يلزم أن يكون الأمر قد كان متناولًا لغير ذلك الذي وقع مأتيًا به, ولو كان كذلك لما كان المأتي به تمام متعلق الأمر, وقد فرضناه كذلك هذا خلف [2] ."

الدليل الثالث: إن المأمور به لولم يقع مجزئًا، لكان الأمر به عبثًا، و «العبث» على الشرع محال؛ لأنه لولم يقع مجزئًا لكان وجوده كعدمه، لا فائدة فيه، فلو لم يقع مجزئًا لكان لا فائدة فيه, والأمر بما لا فائدة فيه عبث, فالمأمور به على هذا التقدير يكون عبثًا لكنه محال من الشارع لما سبق, وعرف, فثبت أن الأمر يقتضي وقوع المأمور به بشروطه مجزئًا، وهو المطلوب [3] .

الدليل الرابع: إن الذِّمة كانت بريئة من المأمور به قبل التكليف بحق الأصل، فلما اشتغلت به بعد براءتها منه وجب أن بكون طريق الخروج عن عهدته، وعودها بريئة كما كانت هو فعله بناء على أن ما ثبت لعلة زال بزوالها، كما أن الطريق إلى الخروج عن دين الآدمي هو أداؤه، وذلك هو المراد بـ «الإجزاء» [4] .

وعبر الشيرازي عنه بقوله:"إن الفعل إنما لزمه بالأمر, فإذا فعل ذلك على حسب ما يتناوله الأمر زال الأمر, وعاد كما كان قبل الأمر، ويدل عليه: أنه لو نهي عن فعل شيء, فتركه, ولم يتعرض له عاد كما كان قبل النهي, فكذلك إذا أمر بفعل شيء, ففعله" [5] .

الدليل الخامس: إن الآتي بالمأمور به كما أمر لا يخلو إمَّا أنه يجب عليه فعله ثانيًا, وثالثًا أو ينقضي عن عهدته بما ينطلق عليه الاسم، والأول باطل؛ لأن الأمر لا يفيد التكرار، على ما حققه جمهور أهل الأصول، والثاني هو المطلوب؛ لأنه لا معنى للإجزاء إلا كونه كافيًا في الخروج عن عهدة الأمر [6] .

(1) «شرح مختصر الروضة» : (2/ 400 - 401) .

(2) «المحصول» : (2/ 416 - 417) ، و «روضة الناظر» : ( ... /206) ، و «الإبهاج» : (1/ 171) .

(3) «شرح مختصر الروضة» : (2/ 399 - 400) .

(4) «روضة الناظر» : (206) ، و «شرح مختصر الروضة» : (2/ 400) .

(5) «التبصرة» : (86) .

(6) «المحصول» للإمام الرازي: (2/ 216 - 217) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت