فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 66

قال الزركشي: قال القاضي عبد الجبار [1] في «العمد» :"وهذا هو معنى قولنا: «إنه غير مجزئ» ، ولا يعني به: أنه لم يمتثل، ولا أنه يجب القضاء فيه، ولا يكون وقع موقع الصحيح الذي لا يقتضي"، هذا تحرير مذهب عبد الجبار في المسألة. قال:"وممن اعتنى به أيضًا الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في «شرح العنوان» ، فقال: وتحرير الخلاف فيه أن «الاكتفاء» بفعل المأمور به هل هو من مدلول الأمر ومقتضاه أو هو من مجموع فعل المأمور به, وأن الأصل عدم وجوب الغير؟ , وأما كونه إذا فعل المأمور به يبقى مطلوبًا, فما زاد, فلا يصار إليه أصلًا؛ لأن الأمر انقطع تعلقه عما عدا المأمور به, فلو بقي عليه شيء آخر من جهة الأمر لزم أن لا يكون منقطعًا في تعلقه، وفيه جمع بين النقيضين، وهو محال [2] ."

قال ابن السبكي: فحاصل ما يقول أبو هاشم [3] :"أنه لا يدل على الإجزاء, وإنما الإجزاء مستفاد من عدم دليل يدل على وجوب الإعادة, ولا خلاف بين أبي هاشم, وغيره في براءة الذِّمة عند الإتيان بالمأمور به".

وقد شبه القرافي هذا الخلاف في «مفهوم الشرط» كما إذا قال:"إن دخلت الدار, فأنت حر", فمن قال: لا مفهوم للشرط, قال: عدم عقته ما لم يأت بالمشروط مستفاد من الملك السابق, ومن قال: له مفهوم, قال هو: مستفاد من ذلك, ومن «مفهوم الشرط» أيضًا, وكذلك الخلاف الذي هنا [4] .

ثانيًا: أقوال العلماء, وأدلتهم في المسألة:

القول الأول: إن الأمر يقتضي الإجزاء بفعل المأمور به إذا امتثل المأمور بكمال وصفه, وشرطه.

وهذا القول نسبه ابن السمعاني إلى جميع الفقهاء، ونسبه ابن قدامة إلى بعض الفقهاء، وابن السبكي إلى الجمهور، ورجحه إمام الحرمين, واشتد على مخالفه, فقال عن الرأي المقابل لهذا الرأي:"وسقوط هذا المذهب واضح لا حاجة إلى تكلف فيه" [5] .

واحتج الجمهور بالأدلة الآتية:

الدليل الأول: ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه- أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «إذا أديت زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك» [6] .

قال الطوفي [7] : ويعضده قوله ـ عليه السلام ـ للخثعمية حين سألته: «هل يجزئ أباها أن تحج عنه؟ قال: نعم، قال: أرأيت إن كان على أبيك دين فقضيته، أكان يجزئ عنك؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء» [8] .

(1) هو القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار القاضي أبو الحسن الهمداني قاضي الري وأعمالها, وكان شافعي المذهب, وهو مع ذلك شيخ الاعتزال, وله المصنفات الكثيرة في طريقتهم, وفي أصول الفقه، له: «كتاب دلائل النبوة» ، مات في ذي القعدة سنة خمس عشرة وأربعمائة. (طبقات ابن قاضي شهبة: 1/ 183) .

(2) «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي: (2/ 296) ، و «البحر المحيط» : (3/ 339 - 340) ، و «شرح الكوكب المنير» : (ص:147) .

(3) عبد السلام بن الأستاذ أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، المعتزلي أخذ عن والده، وله: «كتاب الجامع الكبير» ، و «كتاب العرض» و «كتاب المسائل العسكرية» توفي سنة 321هـ، وتلاميذه كثيرون. (سير أعلام النبلاء: 15/ 63) .

(4) «الإبهاج» : (1/ 187 - 188) .

(5) «قواطع الأدلة» لابن السمعاني، «التبصرة» لأبي إسحاق البرازي: ( ... /85) ، و «البرهان في أصول الفقه» : (1/ 182) ، «روضة الناظر» : (ص:205) ، و «الإبهاج» : (1/ 187) .

(6) أخرجه الترمذي في"ك: الزكاة"."ب: ماجاء إذا أديت الزكاة" (618) , وقال الترمذي: حديث حسن غريب، بسنده قال: حدثنا عمر بن حفص الشيباني البصري حدثنا عبد الله بن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث عن دراج عن ابن حجيرة عن أبي هريرة، قال: وقد روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غير وجه أنه ذكر الزكاة, فقال رجل: يا رسول الله هل علي غيرها؟ فقال: لا إلا أن تتطوع». وابن حجيرة هو: عبد الرحمن بن حجيرة المصري.

وأخرجه الحاكم في «المستدرك» من طريق ابن وهب كما عند الترمذي وصححه. (المستدرك: 1/ 39) . وقال الحافظ ابن حجر:"وصححه ابن القطان". وقال شيخنا في شرح الترمذي ـ يعني به العراقي ـ:"إن سنده جيد". وقال ابن عبد البر:"في سنده مقال". (فتح الباري في شرحه لكتاب الزكاة، باب: ما أدي زكاته فليس بكتر) , وأخرجه ابن ماجه في"ك: الزكاة"."باب: ما أدي زكاته, فليس بكتر" (1788) .

(7) هو: نجم الدين سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد الطوفي الصرصري البغدادي، ولد سنة 675, ورجح ابن حجر ولادته سنة 657, له: «مختصر الروضة في الأصول» (البلبل) وشرحه، «شرح الأربعين النووية» وغير ذلك، توفي سنة 716هـ. (انظر: «الدرر الكامنة» لابن حجر:(2/ 2249) وما بعدها، «شذرات الذهب» : (6/ 39 - 40 ) ) .

(8) أخرجه البخاري في"ك: الحج""ب: وجوب الحج وفضله" (1513) . قال: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: كان الفضل رديف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, فجاءت امرأة من خشعم, فجعل الفضل ينظر إليها, وجعلت تنظر إليه, وجعل النبي يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر, فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم, وذلك في حجة الوداع، ومسلم في"ك: الحج""ب: الحج عن العاجز" (1334) , والنسائي في"ك: مناسك الحج""ب: تشبيه قضاء الحج بقضاء الدين" (2640) "وب: حج المرأة عن الرجل" (2641) , وأبو داود في"ك: المناسك"،"ب: الرجل يحج عن غيره" (1809) , ومالك في «الموطأ» في"ك: الحج""ب: الحج عمن يحج عنه" (8060) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت