قال الرازي: قضية التعليل تنعكس عليه، لأنا نعلل موافقة الأمر بـ «الإجزاء» ، فيكون غيره، مع أنه - التعريف الذي يفسره بالأداء - ادعى الوحدة فيهما [1] .
ويجاب عن ذلك: بأن «الإجزاء» علة ذهنية؛ لسقوط القضاء، بمعنى: أن العلم بالإجزاء يوجب العلم بسقوط القضاء, والعلة الذهنية وإن كانت مغايرة للمعلول في المفهوم إلا أنها قد تكون متحدة معه باعتبار الماصدقات, والأفراد, وفي هذه الحالة لا مانع من أن تعرف العلة بالمعلول ألا ترى أننا نقول لهذا الشخص إنسان؛ لأنه ضاحك, فتعلل الإنسان بـ «ضاحك» ، والعلة غير المعلول باعتبار المفهوم, ولكنها متحدة معه في الماصدقات، فإن كل ما صدق عليه إنسان صدق عليه ضاحك, ولذلك صح أن يعرف الإنسان بأنه يضحك كما يعرف ضاحك بأنه إنسان [2] .
الاعتراض الثاني:
أنه غير جامع؛ لأنه لا يشمل الفعل الذي وقع في الوقت المقدر له شرعًا مستوفيًّا لشروطه منتفية فيه الموانع؛ لأن التعريف قد أخذ فيه سقوط القضاء, وسقوط القضاء فرع لثبوته, والقضاء إنما يثبت إذا مضى الوقت المقدر للفعل, ولم يفعل فيه سواء.
قلنا: إنما القضاء يجب بالأمر الأول، أو قلنا: إنما يجب بأمر جديد؛ لأن كلا الرأيين لابد فيه من مضي الوقت بدون فعل، فمقتضى التعريف: أن الفعل لا يوصف بـ «الإجزاء» مع أنه يوصف به قطعًا, فالتعريف غير جامع لكل أفراد المعرف, فيكون باطلًا.
ويجاب عن ذلك: بأن القضاء الواقع في التعريف ليس مرادًا منه القضاء بالمعنى المصطلح عليه, وهو الإتيان بالفعل خارج الوقت بل المراد به: مطلق الإتيان بالفعل سواء كان في الوقت أو في خارج الوقت, فمتى فعل الفعل مستوفيًّا لشروطه, وانتفت فيه الموانع سواء كانت في الوقت أو بعده وصف بـ «الإجزاء» لسقوط الإتيان به مرة ثانية، وبذلك تكون الصورة المتعرض بها داخلة في التعريف كما هي داخلة في المعرف, ويكون التعريف جامعًا.
الثالث: وهو الذي ارتضاه البيضاوي, وقبله حيث عرفه بأنه: الأداء الكافي لسقوط التعبد به, وليس المراد هنا بالأداء المقابل للقضاء، بل المراد ما هو أعم منهما، فـ «الأداء» مراد به هنا: الإتيان بالفعل سواء كان في الوقت أو بعد خروجه، وسواء كان الواقع في الوقت مسبوقًا بخلل أو غير مسبوق به، فهو شامل للأداء المصطلح عليه والقضاء والإعادة، فإن كلا منهما يوصف بالإجزاء, والمراد من «التعبد» : طلب الفعل.
وحاصل المعنى: أن «الإجزاء» هو الإتيان بالفعل في الوقت أو في خارج الوقت إتيانًا كافيًا في عمد المطالبة بالفعل مرة ثانية، ويتحقق ذلك باستيفاء شروط الفعل, وانتفاء موانعه [3] .
اعتراض على هذا التعريف:
اعترض على التعريف السابق لـ «لإجزاء» بأنه مباين للمعرف، من وجهين:
(1) «المحصول» للإمام الرازي: (1/ 143, 2/ 415) ، و «نفائس الأصول» : (1/ 119) ، و «شرح تنقيح الفصول» : (ص: 78) ، و «البحر المحيط» : (2/ 23) .
(2) «نهاية السؤل» للإسنوي: (1/ 62) ، و «الإبهاج» للإمام ابن السبكي: (1/ 73) ، و «أصول الفقه» للشيخ زهير: (1/ 57) .
(3) «نهاية السؤل» للإسنوي: (1/ 60) ، و «الإبهاج» للإمام ابن السبكي: (1/ 73) ، و «أصول الفقه» للشيخ زهير: (1/ 74) .