قال الفيومي: «جزئ الأمر يجزى جزاء» , مثل: «قضى ـ يقضي ـ قضاء» وزنًا ومعنًى, وفي التنزيل: (( وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا ) ) [1] , وفي الدعاء: «جزاه الله خيرًا» ، أي: قضاه له وأثابه عليه، وقد يستعمل «أجزأ» بالألف والهمز, بمعنى: «جزى» , ونقلهما الأخفش بمعنى واحد, فقال: الثلاثي من غير همز لغة الحجاز، والرباعي المهموز لغة تميم، و «جازيته بذنبه» : «عاقبته عليه» ، و «جزيت الدَّين» : «قضيته» , ومنه قوله ـ عليه السلام ـ لأبي بردة بن نيار لما أمره أن يضحي بجزعة من المعز: «تجزي عنك, ولن تجزي عن أحد بعدك» ، قال الأصمعي: أي, ولن تقضي، و «أجزأت الشاة» بالهمز بمعنى: «قضت» لغة حكاها ابن القطاع، وأما «أجزأ» بالألف والهمز, فبمعنى: «أغنى» ، قال الأزهري: والفقهاء يقولون فيه: «أجزى» من غير همز, ولم أجده لأحد من أئمة اللغة, ولكن إن همز «أجزأ» , فهو بمعنى: «كفى» .
قال الفيومي: وفيه نظر؛ لأنه إن أراد امتناع التسهيل, فقد توقف في غير موضع التوقف، فإن تسهيل همزة الطرف في الفعل المزيد, وتسهيل الهمزة الساكنة قياسي، فيقال: «أرجأت الأمر, وأرجيته» ، و «أنسأت, وأنسيت» ، و «أخطأت, وأخطيت» ، و «أشطأ الزرع: إذا أخرج شطأه, وهو أولاده وأشطى» ، و «توضأت, وتوضيت» ، و «أجزأت السكين: إذا جعلت له نصابًا, وأجزيته» , وهو كثير, فالفقهاء جرى على ألسنتهم التخفيف، وإن أراد الامتناع من وقوع «أجزأ» موقع «جزى» , فقد نقلهما الأخفش لغتين, كيف وقد نص النحاة على أن الفعلين إذا تقارب معناهما جاز وضع أحدهما موضع الآخر؟ وفي هذا مقنع لو لم يوجد نقل [2] .
ثانيًا: تعريف «الإجزاء» في الاصطلاح:
ذكر العلماء لـ «لإجزاء» تفسيرات ثلاث:
الأول: وهو الأصح عند جمهور الأصوليين: الاكتفاء بالفعل في سقوط الأمر.
ومعناه: أن الخطاب متعلق بفعله على وجه مخصوص، فإذا أتى المكلف به على ذلك الوجه انقطع عنه تعلق الخطاب، وهذا على مذهب المتكلمين في تفسير الصحة بموافقة الأمر.
قال القرافي [3] : تفسيره بسقوط الأمر يشكل بما إذا لم يفرط في الفعل حتى مات، فإن الأمر يسقط عنه، ويعذر مع أنه لا إجزاء [4] .
الثاني: إسقاط القضاء، وهو مذهب الفقهاء في «الصحة» [5] .
وقال أصحاب هذا التفسير: إنه لا يصح تفسيره بالأداء؛ لتعليل «الإجزاء» بأداء الفعل على الوجه المأمور به، فنقول: «أدى ما أمر به كما أمر» .
(1) سورة البقرة الآية: (48,123) .
(2) «المغرب في ترتيب المعرب» للمطرزي -ج ز أ: (ص: 347) ، و «المصباح المنير» للفيومي - ج ز ي-: (ص:100) ، و «طلبة الطلبة» للنسفي: (ص: 9) .
(3) القرافي هو: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي، كان بارعًا في الأصول, والفقه, وغيرهما من العلوم, وانتهت إليه رئاسة المالكية, وله: «الفروق» , وهو لا نظير له في بابه، و «تنقيح الفصول وشرحه» ، و «النفائس في شرح المحصول» للرازي، وله في الفقه: «الذخيرة» ، توفي سنة 684هـ. (انظر: «شجرة النور الزكية» :(ص: 188) ، و «الديباج المذهب» : (1/ 236 ) ) .
(4) «نفائس الأصول شرح المحصول» للقرافي: (1/ 119) ، و «جمع الجوامع» لابن السبكي: (ص: 14) .
(5) «البحر المحيط» : (2/ 23) ، و «نهاية السؤل» للإسنوي: (1/ 62) .