المبحث الثاني
مفهوم الإجزاء, والفرق بينه وبين ما يشبهه
وهو ينقسم إلى مطلبين:
المطلب الأول: مفهوم الإجزاء.
المطلب الثاني: الفرق بين الإجزاء, وبين ما يشبهه من معان.
المطلب الأول
مفهوم الإجزاء
أولًا: «الإجزاء» في اللغة:
هو: الغناء - بالمد - والكفاية، يقال: الصلاة أجزأته، أي: كفته، وفي حديث أبي بردة [1] في الأضحية بالعناق: «أفتجزئ عني, قال: نعم, ولن تجزئ عن أحد بعدك» [2] , أي: ينوب عنك, ويكفيك.
والعرب تقول: «جزأت الإبل بالرطب عن الماء، واجتزأت» : إذا اكتفت، ومنه: «لم تجتزئ بتلك الحيضة» ، و «أجزأني الشيء كفاني» , و «هذا يجزئ عن هذا» , أي: يقضي أو ينوب عنه، ومنه: «البدنه تجزئ عن سبعة أو أجزأت عنك مجزأ فلان» , أي: كفيت كفايته, ونابت منابه, وله في هذا غناء, وجزاء, أي: كفاية، وقول محمد الفارس: «أجزأ من الراجل» , أي: أكفى، وقد حكي عن علي بن عيسى تليين مثل هذه الهمزة, وهو شاذ، قال: «يقال هذا الأمر يجزئ عن هذا» , فيهمز, ويلين، ذكره المطرزي، وعن الأزهري [3] : بعض الفقهاء يقول: «أجزى» بمعنى: قضى، وعلى ذلك قول بعض الفقهاء: «أجزى فيه الفرك» , أي: الدلك والحك، وتقديره: أجزأ الفرك عن الغسل, أي: ناب وأغنى، و «أجزأك» بمعنى: «كفاك» على حذف المفعول، ومثله: «إذا صليت في السفينة قاعدًا أجزأك» على إضمار الفاعل، كأنه قيل: «أجزأك ما فعلت» ، ونظيره: «من كذب كان شرًا له» .
وأمَّا «جزى عنه جزاء» بمعنى: قضى, فهو بغير همز، ومنه: «ولا تجزي عن أحد بعدك» , أي: لا تؤدي عنه ولا تقضي، ومنه: «الجزية» ؛ لأنها تجزئ عن الذِّمي، قال المطرزي: وقولهم:"صلاة مجزية إن كان من هذا فالصواب جازية, وإلا فهي مجزئة بالهمزة".
(1) هو الصحابي هانئ بن نيار بن عمرو البلوي أبو بردة بن نيار، غلبت عليه كنيته, شهد العقبة, وبدرًا, وسائر المشاهد, وهو خال البراء بن عازب, يقال: إنه مات سنة خمس وأربعين, وقيل: بل مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين له. روى عنه البراء بن عازب, وجماعة من التابعين, قال ابن حجر: وقيل: اسمه الحارث, وقيل: مالك, والأول أشهر. (انظر: «الإصابة ترجمة» :(8932) , و «الاستيعاب» لابن عبد البر (باب الهاء ) ) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه في مواضع عدة منها ك: الجمعة، ب: الأكل يوم النحر (955) , وفي ب: الخطبة بعد العيد (965) وفي ب: التبكير إلى العيد (968) ، وأخرجه في ك: الأضاحي ب: سنة الأضحية (5545) , وفي ب: قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأبي بردة (5557) , وفي ب: الذبح بعد الصلاة (5560) , وفي ب: من ذبح قبل الصلاة أعاد (5563) , وأخرجه مسلم في ك: الأضاحي، ب: وقتها (1961) .
(3) محمد بن أحمد بن الأزهر أبو منصور الزهري الإمام في اللغة, ولد «بهراة» سنة اثنتين وثمانين ومائتين, وكان فقيهًا صالحًا غلب عليه علم اللغة, وصنف فيه «كتاب التهذيب» ، وصنف في التفسير كتابًا سماه «التقريب» ، توفي «بهراة» سنة سبعين وثلاثمائة, وقيل: سنة إحدى وسبعين. (طبقات ابن قاضي شهبة: 1/ 144) .